والجواب : قال أبو هاشم :
جاز أن يكون الخير غير الناسخ بل يجب ؛ لأنّه تعالى رتّبه على النسخ وجعله مشروطاً به ، فيتأخّر عن النسخ المتأخّر عن الناسخ ، ولأ نّه أثره فلو كان المأتيّ به هو الناسخ دار « 1 » .
لا يقال : رتّب على النسخ الإتيان لا المأتيّ به .
فنقول : الإتيان متقدّم على المأتيّ به ؛ لأنّه عبارة عن إيجاد مترتّب على النسخ فوجب ترتّب المأتيّ به على النسخ ، وهو المدّعى .
وإسناد الإتيان إليه تعالى لا يدلّ على كونه ليس من السنّة ؛ لأنّها منه تعالى ؛ لقوله :
« وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى »
« 2 » ، والخير الأكثر ثواباً ، ويجوز كون امتثال الحكم المستفاد من السنّة أعظم ثواباً من المنسوخ ، والمثال ضعيف ، ومعارض بقول الملك لرعيّته : مَن يلقني منكم بحمد وشكر وثناء ألقه بخير منه .
ونمنع الكبرى في الثاني ؛ لأنّ الناسخ بيان ؛ إذ هو تخصيص في الأزمان ، فيدخل تحت مطلق التخصيص الذي هو نوع من البيان ، ولا منافاة بين الرفع والبيان ؛ لانتهاء مدّته للزوم الثاني للأوّل ، ثمّ نمنع انحصار السنّة في البيان ، فجاز كون بعضها مبيّناً لبعض القرآن ، وبعضها ناسخاً لبعض آخر .
سلّمنا ، لكن نمنع أنّ المراد ب « البيان » هنا بيان المجمل أو بيان إرادة خلاف الظاهر ؛ لأنّ ذلك مختصّ ببعض القرآن ؛ إذ فيه المستغني عن البيان كالمحكم ، فلو كان مراداً لزم خلاف ظاهر العموم ، وهو قوله :
« ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ »
« 3 » فيجب حمله على التبليغ والإظهار ؛ ليشمل جميع القرآن ، والثالث دلّ على أنّه لا يبدّل القرآنمن تلقاء نفسه إلّابوحي من الله من كتاب أو سنّة ، بل الحقّ دلالتها على أنّ له ذلك بالمفهوم .
هامش
( 1 ) . حكاه عنه العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 80 .
( 2 ) . النجم ( 53 ) : 3 - 4 .
( 3 ) . النحل ( 16 ) : 44 .