يقال : هذا الحكم لا بدّ له من مؤثّر ، وهو إمّا القدر المشترك بين الأصل والفرع ، أو القدر الذي امتاز به الأصل عن الفرع . والثاني باطل ؛ لأنّ الفارق ملغى ، فثبت أنّ المشترك هو العلّة ، وهو متحقّق في الفرع ، فيجب تحقّق الحكم فيه ، كما يقال :
جامع في نهار رمضان ، فيكون كواقعة الأعرابي ؛ لأنّه لا فرق بينهما من كونه أعرابيّاً ، أو شخصاً معيّناً ، أو في زمان معيّن ، أو يوم أو ساعة ، أو كون الموطوءة زوجة ، أو غيرها ؛ إذ لا مدخل لذلك في التأثير لكذا وكذا .
وهذا الطريق راجع إلى السبر والتقسيم ، وكلّ ما يرد عليه ممّا يبطل كونه طريقاً صالحاً للتعليل فهو وارد على هذا ، من جواز كون الحكم غير معلّل أصلًا ، وكون العلّة مجموع ما به الافتراق ، أو ما يتركّب من بعض أقسامه ، أو المركّب ممّا به الاشتراك والافتراق ، أو غير ذلك ممّا ذكره .
وأمّا تخريج المناط فهو عبارة عن النظر والاجتهاد في إثبات علّة الحكم الذي دلّ عليه النصّ أو الإجماع دون علّته ، كالاجتهاد في معرفة كون الإسكار علّةً لتحريم الخمر حتّى يقاس عليه ما يشاركه في ذلك ، كالنبيذ ، وهو أدون من الأوّل ، وأنكره الظاهريّة « 1 » ، وبعض معتزلة بغداد « 2 » .
وأمّا تحقّق المناط فهو عبارة عن النظر في وجود العلّة المعلومة علّيّتها مطلقاً ؛ بنصّ أو إجماع أو استنباط في آحاد الصور ، كما في القبلة ؛ فإنّها مناط وجوب استقبالها ، وهي معروفة ؛ لقوله تعالى :
« وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَ »
« 3 » ، وكون هذه الجهة هي جهة القبلة حال الاشتباه مظنون بالاجتهاد والنظر في الأمارات .
هامش
( 1 و 2 ) . حكاه عنهم الغزالي في المستصفى ، ج 2 ، ص 241 ؛ والآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 265 .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 144 و 150 .