وإن لم يكن في الأدلّة القطعيّة ما يدلّ عليه قدح ذلك في صحّة الخبر ووجب ردّه ، سواء اقتضى عملًا أو لا ؛ لأنّه لمّا لم يفد العلم لغير سامعيه مع تضمّنه تكليف الجميع به لزم تكليف ما لا يطاق .
أمّا لو كان التكليف به مقصوراً على سامعيه لم يقدح ذلك فيه ؛ لإفادة قوله عليه السلام إيّاهم العلم .
ولو اقتضى العمل خاصّةً قبل وإن عمّت به البلوى ، كخبر ابن مسعود في نقض الوضوء بمسّ الذكر « 1 » ، وخبر أبي هريرة في غسل اليدين عند القيام من النوم « 2 » ، خلافاً للحنفيّة ؛ لأنّ أدلّة وجوب العمل بخبر الواحد عامّة فيما يعمّ به البلوى وغيره ، ولإجماع الصحابة على العمل به فيما يعمّ به البلوى ؛ لرجوعهم إلى خبر عائشة في التقاء الختانين « 3 » ، وعمل أبو بكر على خبر المغيرة في توريث الجدّة السدس ، حيث قال : لم أجد لك في كتاب الله شيئاً ، قال له المغيرة :
إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أطعمها السدس « 4 » ، ورجوعهم في أحكام القيء والرعاف والقهقهة في الصلاة ، ووجوب الوتر إلى أخبار الآحاد ، وقبول الحنفيّة أخبار الآحاد فيها يناقض مذهبهم .
احتجّوا بأ نّه لو كان صحيحاً لأشاعه الرسول عليه السلام ، ولأوجب نقله على جهة التواتر ؛ حذراً من أن لا يصل إلى من كُلّف به ، فلا يكون قادراً على العمل به ، ولو فعل عليه السلام لنقل متواتراً ؛ لتوفّر الدواعي على نقله ، ولمّا لم ينقل كذلك علم كذبه .
والجواب : المنع من وجوب إشاعة الرسول عليه السلام إيّاه ، وإنّما يلزم ذلك أن لو تضمّن العلم أو إيجاب العمل به على كلّ حال ، أمّا إذا لم يتضمّن علماً أو كان
هامش
( 1 ) . المصنّف ، الصنعاني ، ج 1 ، ص 120 ، ح 436 ؛ المعجم الكبير ، الطبراني ، ج 9 ، ص 247 ، ح 9215 - 9217 . وفي الرواية تصريح بعدم نقض الوضوء بمسّ الذكر .
( 2 ) . سنن الدارمي ، ج 1 ، ص 196 ، باب إذا استيقظ أحدكم من منامه ؛ سنن ابن ماجة ، ج 1 ، ص 138 - 139 ، ح 393 ؛ صحيح مسلم ، ج 1 ، ص 233 ، ح 278 / 87 و 278 / 88 .
( 3 ) . سنن ابن ماجة ، ج 1 ، ص 199 ، ح 608 .
( 4 ) . لم نعثر عليه في مجاميعنا الروائيّة ، ولكن أورده العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 5 ، ص 301 .