قيامه في نفس الأمر ، وإلّا لم يدخل الكذب في جنس الخبر .
ثمّ هذا الحكم إن طابق المخبر عنه فهو صادق ، وإلّا فهو كاذب . وأثبت الجاحظ واسطةً ؛ لقوله
« أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ »
، ولأنّ المخبر عن الظنّ لا يوصف بالكذب إذا لم يطابق . والحقّ خلافه ، والواسطة في الآية ثابتة ؛ لأنّ افتراء الكذب غيره . ونمنع من عدم الوصف في الظنّ ، والجاحظ بنى ذلك على مذهبه من أنّ المعارف ضروريّة ، وأنّ غير العارف معذور ، وأنّ الوصف بالكذب يقتضي الذمّ ، ومن قال : محمّد ومسيلمة صادقان أو كاذبان كاذب إن جعلناه خبراً واحداً ، وإلّا كان صادقاً في أحد الخبرين دون الآخر . [ تهذيب الوصول ، ص 220 - 221 ]
أقول : أي المدلول ثبوت القيام سواء كان مطابقاً أو غير مطابق ، وفي الدليل نظر ؛ إذ لا يلزم من كون مدلول الخبر الثبوت في نفس الأمر عدم دخول الكذب ؛ إذ الدلالة ليست عقليّةً حتّى يلزم من حصول الدليل تحقّق مدلوله ، وإنّما هي وضعيّة يمكن تخلّف الدليل بها عن مدلوله ، كما لو وجدت الصيغة ممّن لا يعتقد قيام زيد ، فإنّ الحكم به حينئذٍ لا يتحقّق . نعم ، يتحقّق فهمه .
ثمّ الحكم إن طابق فصادق ، وإلّا فكاذب ، فالقسمة حاصرة حقيقةً ، خلافاً لأبي عثمان الجاحظ ، حيث أثبت الواسطة ؛ لأنّه تعالى حكى عن الكفّار أنّهم جعلوا إخبار النبيّ عن نبوّته إمّا كذباً وإمّا جنوناً « 1 » ، مع اعتقادهم عدم صدقه في دعواه النبوّة ، وذلك مقتضٍ لكون إخباره حال الجنون ليس كذباً ؛ لأنّهم جعلوه في مقابلة الكذب ، ومقابل الكذب لا يكون كذباً ولا صدقاً ؛ لاعتقادهم عدمه ، ولأنّ من أخبر : « أنّ زيداً في الدار » ؛ بناءً على ما في ظنّه ؛ لأمارة حصلت عنده ، ثمّ ظهر أنّه ليس فيها لا يقال : إنّه كاذب ، ولا يستحقّ بذلك ذمّاً ، ولا أنّه صادق ؛ لكونه غير مطابق . وكذا لو قال : ليس في الدار ، فلا يقال : إنّه صادق ولا يستحقّ
هامش
( 1 ) . سبأ ( 34 ) : 8 .