الوجه الثالث : العالم انما حدث في ذلك الوقت لان المؤثر مختار ، والقادر انما يفعل أحد مقدوريه دون الثاني ، لان ارادته اقتضت ترجيح ذلك المقدور على غيره .
لا يقال : لما ذا رجحت الإرادة ذلك الشيء على غيره ؟
لأنا نقول : هذا السؤال ساقط ، لان الإرادة مرجحة ومخصصة لذاتها .
ولأنها لو رجحت غيره لكان السؤال عائدا . وعلى هذا التقدير يلزم ان يكون كون الإرادة مرجحة معللة بعلة أخرى وهو محال ، لان كون الإرادة مرجحة صفة نفسية لها ، كما أن كون العلم بحيث يعلم به المعلوم امر ذاتي له ولما استحال تعليل الصفات الذاتية استحال تعليل كون الإرادة مرجحة .
والمعتمد في دفع السؤال اسناد الترجيح إلى ذات الإرادة لئلا يرد عليه قول الرئيس .
لا يقال : هذا السؤال باطل لأنه عائد في كل وقت .
لأنا نقول : بل هو حق لأنه عائد في كل وقت .
رد الفلاسفة الرابع : كل محدث فإنه مسبوق بزمان ، لان عدمه سابق على وجوده ، والا لكان قديما ، وذلك السبق والتأخر ليس عبارة عن مجرد العدم والوجود ، لان العدم قبل كالعدم بعد ، وليس القبل بعد ، فالقبلية والبعدية صفتان وجوديتان فلهما موصوف موجود ، فقبل حدوث كل حادث لا بد من شيء وجودي يكون موصوفا لذاته بالقبلية حتى يكون العدم الحاصل فيه موصوفا بكونه قبلا لذلك الحادث ، والشيء الذي يكون قبلا لذاته هو الزمان ، فقبل كل زمان زمان لا إلى أول ، ويلزم من قدم الزمان قدم الحركة لأنه من لوازمها ، ويلزم من قدم الحركة قدم الجسم « 1 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ج 3 ص 138 - 139 .