وكان ابن عربي ، لشدة اعجابه بالقصيدة ، طلب من ابن الفارض ان يرخص له شرح ذلك القصيدة ، فأجابه ابن الفارض بقوله : " ان كتابك الفتوحات المكية شرح لها ، وهو دليل على أن ( وحدة الوجود ) التي قد تفسر بعض ابيات القصيدة ، ليست ببعيدة بصيغة أو بأخرى عن وحدة الوجود عند ابن عربي ، ولكنها مغمسة في العشق الإلهي الذي عرف عن ابن الفارض . « 1 » الدكتور أبو العلاء عفيفي لم يقبل بهذا ، ووجد أن " من الاسراف الذي لا مبرر له ان نضع ابن الفارض من اعداد الفلاسفة ، أو نحاول ان نستلخص من اشعاره مذهبا فلسفيا أو نعده من أصحاب وحدة الوجود ، أو نقرنه بمحيي الدين بن عربي ، الذي تنطبق كل فقرة من كتابه ( فصوص الحكم ) بهذه النظرية . . . " « 2 » ان ابن الفارض شاعر صوفي ينزع في حبه الإلهي منزع أصحاب ( وحدة الشهود ) ، لا أكثر ولا أقل . . . ومصداق ذلك ان ابن الفارض كثيرا ما كان يستدرك وينبه اتباعه إلى أنها ليست فلسفة حلول أو اتحاد ، أو ما شابه من أفكار كان قد اتهم بها الشيخ البسطامي أو الحلاج ، بل إن ابن الفارض كما قال :
ولي من أتم الرؤيتين إشارة * تنزه عن رأي الحلول عقيدتي « 3 »
نعم ابن الفارض على حق ، فأن عقيدته منزهة عن عقيدة أهل الاتحاد أو الحلول ، بل هو عاشق الهي ، سميت عقيدته تلك بفلسفة ( وحدة الشهود ) ، وعلى الخصوص عندما صبغها ابن الفارض بعشقه وحبه الإلهي ، وتجلى له ما لا يتجلى لغيره . . .
استسلم أبن الفارض لوجده ، وأستغرق في حبه ، وغاب عن نفسه ، وعن كلمن حوله ، فلم يشهد في الوجود شيئا ، الا شهد اللّه حبه ، فاعلا ومؤثرا ، ولم يقع نظره على جميل الا الجمال الإلهي المطلق . . . « 4 »
هامش
( 1 ) مقدمة ديوان ابن الفارض ، ج 1 ، ص 7 .
( 2 ) د . أبو العلاء عفيفي ، التصوف الثورة الروحية في الاسلام ، ص 216 .
( 3 ) ابن الفارض ، المصدر السابق ، ج 1 ، ص 104 .
( 4 ) د . أبو العلاء عفيفي ، التصوف الثورة الروحية في الاسلام ، دار الشعب بيروت ، بلا تأريخ ، ص 216 - 219 ، وللمقارنة د . محمد مصطفى حلمي ، الحياة الروحية في الاسلام ، ص 142 - 145 .