تكون الجواهر العقلية كالآلات له تعالى حتّى يتعقّل ما وجد فيها .
فأيّ فرق بين هذه الجواهر وبين الحواسّ للنفوس التي هي آلات في الإدراك ؟
قال أبو علي في إلهيات الشفاء في هذا الموضع : هذه الصور المعقولة إن جعلت أجزاء ذاته ، لزم التكثّر .
وإن جعلت عوارض ذاته ، لزم أن لا يكون من جهتها واجب الوجود ؛ لملاصقته لممكن الوجود .
وإن جعلت أمورا مفارقة لكلّ ذات ، عرضت الصور الأفلاطونيّة .
وإن جعلت موجودة في عقل مّا ، لزم المحال ؛ وذلك لأنّا نقول : إنّ الله تعالى إذا عقل الشيء خيرا أوجده ، ولا شكّ أنّ تلك الصور تستند إليه ، فيكون قد عقلها فأوجدها فإن كان تعقّله لها هو نفس وجودها ، كان قولنا : « عقلها فأوجدها » هو بعينه « عقلها فعقلها » أو « أوجدها فأوجدها » . وهو محال . وإن كان مغايرا ، تسلسل الأمر .
ثمّ قال : فعليك التخلّص من هذه الشبهة ، وتتحفّظ أن لا تكثّر ذاته ، ولا تبالي أن تكون ذاته - مأخوذة مع إضافة مّا - ممكنة الوجود ؛ فإنّها - من حيث إنّها علّة لوجود زيد - ليست بواجبة الوجود بل من حيث ذاتها « 1 » .
وأقول : إنّه في هذا المقام قد مال إلى جواز اتّصافه بالصور وجواز حلولها فيه ، وهو مذهبه في « الإشارات » « 2 » وهو في غاية الصعوبة .
مع أنّه هو الذي يقول : إنّ تعقّل واجب الوجود لو كان مستفادا من الأشياء لم يكن واجبا من جميع جهاته « 3 » .
فانظر إلى هذا الخبط الذي أوجبه الخوض في الأمور التي تقصر القوى البشرية عن إدراكها .
وأقرب الأشياء في هذا الباب أمران :
أحدها : أن يجعل العلم إضافة إلى الأشياء ، والإضافات لا وجود لها في الأعيان .
هامش
( 1 ) . « الشفاء » الإلهيّات : 365 .
( 2 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 3 : 298 - 303 .
( 3 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 3 : 303 ؛ « الشفاء » الإلهيّات : 358 .