وقد تخلّص بعض محقّقي المتأخّرين « 1 » عن هذه الإلزامات بأن قال : العاقل لذاته لا يفتقر إلى صورة مغايرة لذاته ، والعاقل لما يصدر عنه لا يفتقر إلى صورة غير صورة الصادر عنه التي بها هو هو ؛ فإنّك تعقل شيئا بصورة تستحضرها فهي صادرة عنك لا بانفرادك بل بمشاركة من ذلك الشيء ، ثمّ إنّك تعقل تلك الصورة بذاتها ولا تفتقر في تعقّلها إلى صورة أخرى مغايرة لتلك الصورة ، وإذا كان هذا حالك مع ما يصدر عنك بمشاركة غيرك فكيف يكون حالك فيما يصدر عنك بانفرادك ؟ ! وكونك محلّا للصورة ليس شرطا في تعقّلك إيّاها ؛ فإنّك تعقل ذاتك من غير حلول .
نعم ، كونك محلّا لتلك الصورة شرط في حصولها لك ، الذي هو شرط في تعقّلك ، وقد تحصل لك الصورة من غير حلول ، فتكون عاقلا .
ومن المعلوم أنّ حصول الفعل لفاعله أولى من حصول المقبول لقابله ، فالمعلولات الحاصلة للعلل معقولة لتلك العلل من غير حلول ، وواجب الوجود عاقل لذاته من غير تغاير بين ذاته وبين تعقّله لذاته إلّا بنوع من الاعتبار ، وعقله لذاته علّة لعقله لمعلوله ، والعلّتان متغايرتان بالاعتبار ، أعني ذات واجب الوجود وتعقّله لذاته ، فالمعلولان اللذان هما ذات المعلول ومعقوليّته يجب أن لا يتغايرا إلّا بالاعتبار .
فإذن وجود المعلول هو نفس تعقّل الواجب له من غير حاجة إلى حصول صورة مغايرة تحلّ واجب الوجود .
والجواهر العقلية تعقل ما ليست فاعلة له بحصول صورها فيها وهي تعقل الواجب الوجود ، ولا موجود إلّا وهو معلول له سواء كان كلّيا أو جزئيا ؛ فالمجموع حاصل فيها ، وواجب الوجود يعقلها مع تلك الصور لا بصور أخرى بل بعين تلك الجواهر والصور « 2 » .
وأقول : قد بيّنّا « 3 » ضعف ما تمسّكوا به في امتناع احتياج العاقل لذاته إلى صورة غير ذاته .
وقوله : « العاقل لصورة يعقلها لا يفتقر في تعقّلها إلى صورة أخرى » فيه نظر ؛ من
هامش
( 1 ) . هو المحقّق نصير الدين الطوسي في « شرح الإشارات والتنبيهات » .
( 2 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 3 : 304 - 307 .
( 3 ) . راجع ص 558 - 559 .