الحكماء أنّ النفس لها قوّة أن تدرك وإلّا لاستحال فيها ذلك وهي في ابتداء فطرتها غير مدركة ، ويقوى استعدادها للإدراك بسبب الحواسّ الموهوبة لها حتى تقتنص بها الكلّيّات المجرّدة وتوقع المناسبات بينها ، فإذا استعدّت للأمور المعقولة أفيضت عليها من واهب الصور .
وأمّا العلوم الكسبية فقد أسندها قوم إلى الله تعالى كما أسندوا العلوم البديهية إليه « 1 » .
ونحن لا نستصوب ذلك .
وآخرون جعلوها مستندة إلى العلم بالمقدّمتين « 2 » .
والحكماء قالوا : إنّ النفس كما استعدّت بالمشاعر لإدراك العلوم البديهيّة فكذلك تستعدّ بالعلوم البديهية لإدراك العلوم الكسبية ؛ فانّ تصوّر الحدّ والتصديق بالمقدّمتين سببان معدّان لحصول الشعور بالمحدود والنتيجة « 3 » .
المبحث الثاني : في كيفية علم واجب الوجود
إنّا قد بيّنّا « 4 » أنّ العلم يطلقونه على حصول صورة المعلوم للعالم .
وقد قيل : إنّه كذلك في حقّ واجب الوجود « 5 » . وهو محال :
أمّا أوّلا : فلاشتماله على الكثرة الحاصلة له بسبب الصور .
وأمّا ثانيا : فلاشتماله على القبول والفعل وهو يناقض مذهبهم .
وأمّا ثالثا : فلاتّصافه بصفات كثيرة غير سلبية ولا إضافية ، وهؤلاء قد حظروه « 6 » .
وأمّا رابعا : فلاشتماله على كونه تعالى محلّا لآثاره المتكثّرة ، وعلى أنّ معلوله الأوّل غير مباين لذاته بل إنّما يوجد الأشياء بتوسّط الأمور الحالّة فيه .
وكلّ هذه الأمور تناقض آراءهم .
هامش
( 1 ) . انظر : « كشف المراد » : 177 و « الباقلاني وآراؤه الكلاميّة » : 257 و 260 .
( 2 و 3 ) . انظر : « كشف المراد » : 177 .
( 4 ) . راجع ص 553 .
( 5 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 3 : 298 ؛ « مجموعة مصنّفات شيخ إشراق » 1 : 480 ؛ « مقاصد الفلاسفة » :
179 .
( 6 ) . في « م » : « حصروه » .