وضبط القول ، المحتاج إليه ها هنا أن نقول : العالم إمّا أن يكون واجب الوجود لذاته ، وإمّا أن يكون ممكن الوجود .
والأوّل : مذهب بعض القدماء على ما نقل الشيخ عنهم « 1 » .
والثاني : إمّا أن يكون قديما بجميع أجزائه من الذوات والأعراض . وهو باطل بالضرورة .
وإمّا أن يكون قديما باعتبار الذوات ، حادثا باعتبار الأعراض والصور المتجدّدة ، وهو مذهب الجمهور من الحكماء « 2 » .
وإمّا أن يكون حادثا بجميع أجزائه من الذوات والأعراض ، وهو الحقّ .
واعلم أنّ المذهب الأوّل قد بيّنّا بطلانه ؛ لمّا بيّنّا « 3 » أنّ واجب الوجود يستحيل عليه الانقسام والكثرة . فننقل الكلام إلى المذهبين الباقيين ، نحقّق الحقّ فيهما .
فنقول : احتجّ القائلون بالقدم بأوجه :
أحدها : المؤثّر في العالم إن كان قديما ، لزم القدم ، وإلّا لكان التجدّد في وقت دون آخر إن كان لمرجّح متجدّد ، فالمرجّح التامّ غير أزليّ . وهو ينافي التقدير . وإن كان لا لمرجّح ، فقد حصل الترجيح من غير مرجّح وإن كان حادثا ، لزم التسلسل .
وثانيها : إنّ الحادث قبل حدوثه يكون مسبوقا بالمادّة ؛ لما بيّنّا « 4 » ؛ والمادّة لا بدّ لها من صورة ، ومجموعهما الجسم ؛ فالجسم قديم .
وثالثها : إنّ الحادث قبل حدوثه مسبوق بقبلية زمانية ؛ فإنّ عدمه لا يقارن وجوده ، وأقسام القبلية غير آتية ها هنا سوى الزمانية ، فالزمان إن كان حادثا سبقه الزمان . هذا خلف ، فالزمان من لواحق الحركة ، والحركة من لواحق الجسم « 5 » .
والجواب عن الأوّل : أنّ هذا الكلام حقّ في المؤثّر الموجب الذي لا يفعل بإرادة
هامش
( 1 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 3 : 127 ؛ « المطالب العالية » 5 : 19 .
( 2 ) . « تلخيص المحصّل » : 190 ، وانظر « الباقلاني وآراؤه الكلاميّة » : 352 .
( 3 ) . راجع ص 523 - 524 .
( 4 ) . راجع ص 490 - 491 .
( 5 ) . « تلخيص المحصّل » : 205 ؛ « شرح المقاصد » 3 : 120 ؛ « شرح المواقف » 7 : 228 .