كالطعوم ، ليست كيفيات أولى ؛ فإنّ كثيرا من الأجسام يخلو من هذه « 1 » .
والسبب فيه أنّ هذه الحواسّ إنّما تحسّ بتوسّط أجسام أخرى بينها وبين المحسوسات ، فتلك الأجسام يجب خلوّها عن تلك الكيفيات ؛ فإنّ البصر إنّما يدرك بتوسّط الهواء الشفّاف الخالي عن اللون ، والسمع إنّما يدرك بتوسّط الهواء أيضا . وكذلك الشمّ .
والذوق إنّما يدرك بتوسّط الرطوبة اللعابية الخالية عن الطعوم ، وإلّا لما أدركتها على هيئتها ؛ فإنّ الممرورين لا يدركون الطعوم على ما هي ؛ لالتصاق المتوسّط بالطعم .
وإذا كانت الأجسام تخلو عن هذه ، يستحيل أن تخلو عن أوائل الملموسات ، فالملموسات هي النافعة في الامتزاج ، وليس كلّها نافعا فيه سوى الكيفيتين الفعليتين وهما الحرارة والبرودة وما ينسب إليهما ، والكيفيتين المنفعلتين وهما الرطوبة واليبوسة وما ينسب إليهما .
وأمّا اللطافة والكثافة والجفاف والبلّة فهي راجعة إلى الرطوبة واليبوسة ببعض الاعتبارات .
وأمّا اللزوجة والهشاشة فهما كيفيّتان مزاجيّتان من الرطب واليابس على ما فسّرا به « 2 » .
وأمّا الثقل والخفّة فإنّهما من الكيفيّات التي توجب المنافرة ؛ فهي ممّا ينافي الامتزاج الذي لا يتمّ إلّا بالمفاعلة .
وأمّا الخشونة والملاسة فإنّهما من باب الوضع .
وأمّا الصلابة واللين فهما من الكيفيّات المزاجيّة أيضا .
أقول : هذا الكلام كلّه لا يخفى أنّه من باب الظنون ، وهم معترفون بأنّ استناد حصر الكيفيات - التي يكون بها الامتزاج - فيما ذكروا إنّما هو الاستقراء . وقد عرفت ضعفه .
وتعليلهم بأنّ المزاج إنّما يكون من هذه ؛ إذ الأجسام تخلو عن سائر الكيفيات الأخرى ، فيه نظر ؛ فإنّه لا يجب أن تكون الكيفية التي يحصل بها المزاج ملازمة للجسم ؛ فإنّ الماء الحارّ والبارد إذا امتزجا حصل كيفيّة متوسّطة بينهما مع خلوّ الماء منهما معا .
هامش
( 1 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 147 - 148 ، الفنّ الثاني في السماء والعالم .
( 2 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 151 ، الكون والفساد ؛ « المباحث المشرقيّة » 1 : 396 .