والصغر - أو الكيف - أعني التكاثف والتخلخل - أو الوضع - أعني اندماج الأجزاء وانتفاشها - أو غير ذلك ، أو بحسب ما يخرج عنه حال ما فيه الحركة من رقّة القوام وغلظه ، وذلك هو الميل ، ثمّ اقتضت بحسبه الحركة .
وهذا الأمر محسوس يحسّه الممانع كالحجر الواقف في الهواء قسر المحسوس منه بثقله ، والزق المملوء هواء المقسور في الماء ، المحسوس منه بخفّته « 1 » .
ونحن نقول : هذا الأمر إن كان في نفسه قابلا للشدّة والضعف ، استحال استناده إلى الطبيعة ، وإلّا لجاز استناد الحركة إليها ، وإن لم يكن لم تكن الحركة مستندة إليه ، وإلّا لجاز استناد الحركة إلى الطبيعة أيضا .
قالوا : والميل ، منه طبيعي ، ومنه قسري ؛ فإنّ الميل لمّا كان هو السبب القريب للحركة ، انقسم بانقسامها .
والميل الطبيعي ، منه ما يحدث بالطبيعة كميل الحجر عند هبوطه ، ومنه ما يحدث بالنفس إمّا مع الإرادة كميل الحيوان عند توجّهه الإرادي إلى جهة ، وإمّا بدونها كميل النبات عند تبرّزه من الأرض .
والميل القسري كميل السهم عند نفوذه . وكلّما اشتدّ الطباعي ضعف القسري كالحجر العظيم .
وقد يضعف الميل القسري لأمور خارجة ، وهي : إمّا عدم تمكّن القاسر منه كالرملة الصغيرة ، أو عدم تمكّنه من دفع الموانع كالتبنة أو لتخلخله المقتضي لتطرّق الموانع الخارجية إليه بسهولة كالريشة وقد يكون لغير ذلك .
والحال في الميل القسري والطبيعي كالحال في برودة الماء وسخونته ، فكما لا يمكن اجتماع طرفي الحرارة والبرودة في الماء ، كذلك لا يمكن اجتماع الميلين إلى مريدين ؛ لاستحالة تحرّك الجسم إلى جهتين مختلفتين ؛ فإنّه هو السبب في الحركة .
نعم ، لمّا جاز اجتماع حركتي ذات وعرض ، جاز اجتماع ميلين كذلك ، كالحامل للحجر فإنّه يحسّ بثقله وهو الميل الذاتي ، وينخرق عنه الهواء وهو الميل العرضي الذي
هامش
( 1 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 208 .