تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسرار الخفية في العلوم العقلية — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
قدر الفيل ؛ إذ لا مزاج « 1 » يقتضي تصغّر الأجزاء لأكبرها ، فإنّها إذا كبرت وتلاقت ، لم يحصل الانفعال الذي يحصل حال الصغر . قالوا : بل وكان من الممكنات الأكثرية وقوع هذا الفرض ؛ إذ الأجزاء المصغّرة متلاقية قبل الكبيرة ، فكان يلزم في أكثر الأمر أن يحصل الفيل على قدر البعوضة « 2 » . وهذا الكلام غير صواب خصوصا على رأيهم في انقصام الأجزاء ، وأنّ الكبير إنّما يكون ذا أجزاء بالقوّة لا بالفعل ؛ فكيف يمكنهم مع مذهبهم هذا ، أن يقولوا : إنّ انفعال الصغار قبل انفعال الكبار ؟ وأيضا فإنّ المزاج غير كاف في حصول الصور ؛ بل لا بدّ مع ذلك من استعداد تامّ ، والاستعداد إنّما يحصل بمقدار خاصّ . نعم ، هذا القول قد يمكن أن يردّ به مذهب القائل بالخليط « 3 » . والحقّ في هذا ما ذهب إليه الشيخ ، وهو أنّ الانقسام إن كان على سبيل الانفصال والانفكاك ، فإنّه سبب لعدم حفظ الصورة ؛ ضرورة سرعة انفعاله عن المحيط به ، فكلّما كان أصغر ، كان انفعاله أسرع . وإن كان لا على سبيل الانفكاك ، فإنّه لا يقتضي خروج الجسم عن صورته ؛ لكونها سارية فيه تنقسم بانقسامه « 4 » . قال الشيخ : فإذن قول من قال : أصغر جسم هو حافظ الصورة الأرضية هو أكبر من أصغر جسم هو حافظ الصورة النارية ، خطأ ؛ لأنّ أصغر ما يمكن أن يوجد نارا قابل للكون إلى ما تقبله كلّية النار ؛ بل هو أولى ، وإذا استحال ذلك المفروض إلى الأرضيّة ، صار أصغر ؛ إذ النار إذا استحالت أرضا صارت أصغر « 5 » .
هامش
( 1 ) . كذا في « ت » و « م » ، وفي « الشفاء » : « الامتزاج يقتضي . . . » إلى آخره . ( 2 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 1 : 241 ؛ « المباحث المشرقيّة » 2 : 43 . ( 3 ) . نسب الشيخ القول بالخليط إلى أنكساغورس كما في « الشفاء » الطبيعيّات 1 : 242 . ولد انكساغورس في آسيا الصغرى نحو عام 500 قبل الميلاد ، وكان من أكثر فلاسفة اليونان أصالة ومن أكثر من تركت أفكارهم أثرا في المستقبل لقّب ب « نوس » أي العقل ؛ لأنّ العقل يشغل في مذهبه المفسّر للكون مكانة راجحة ، فالحالة الأصلية للطبيعة - حسب أنكساغورس - كانت مزيجا مختلطا من البذور التي ما لبثت أن انفصلت بالتعاقب إلى مادة نارية وإلى هواء وإلى تراب وإلى كواكب ، وعزا ذلك إلى علّة عاقلة وعلّة محرّكة في آن معا هي « النوس » . انظر : « معجم الفلاسفة » : 96 - 97 . ( 4 و 5 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 1 : 243 .