أمّا الصغرى ، فلأنّ العالم إمّا فلكي أو عنصري ، والإحكام والإتقان بيّن في الأمرين .
أمّا في الأوّل ؛ فظاهر لمن رصد الأفلاك وتأمّل خلقها وحركاتها العجيبة وسيرها ، قال اللّه تعالى :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
« 1 » ، وقال تعالى :
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 2 » .
وأمّا في الثاني فظاهر ، سيّما لمن فكّر في بنية الإنسان وما خصّه اللّه به من القوى المحكمة التي يعجز الإنسان عن إدراك بعض ما أودع فيها ، قال اللّه تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
« 3 » . وممّا نسب لأمير المؤمنين عليه السّلام :
دواؤك فيك وما [ تشعر ] « 4 » * وداؤك منك وما [ تبصر ] « 5 »
وتحسب أنّك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر « 6 »
أمّا الكبرى فظاهرة ؛ لأنّ الضرورة تقضي بأنّ مثل هذا الإتقان العجيب والإحكام الغريب لا يحصل إلّا عن علم .
ولقائل أن يقول : لا نسلّم أنّ كلّ من فعل الأفعال المتقنة المحكمة فهو عالم ، فإنّا نجد الزنبور يبني بيتا مسدسا يعجز عنه الحاذق في الهندسة . وكذا المحتذي لفعل غيره كمن وجد نقشا محكما ثم حذا حذوه ، فإنّ فعله يكون محكما ، مع أنّهما غير عالمين .
والجواب عن الأوّل : أنّا لا نسلّم كونها فاعلة ، بل الفاعل هو اللّه تعالى ، وإن سلّمنا كونها فاعلة فلا نسلّم منع كونها عالمة ؛ إذ لم يقع على المنع دليل . سلّمناه لكن ذلك وإن كان محكما فإلهام فعل ذلك أحكم وأتقن وهو فعل اللّه تعالى .
على أنّه يمكن أن يكون الفارق هو القصد ، فإنّ فعل اللّه تعالى لمّا وجب أن
هامش
( 1 ) غافر : 57 .
( 2 ) الأعراف : 185 .
( 3 ) الذاريات : 21 .
( 4 ) من المصدر ، وفي المخطوط : ( تبصر ) .
( 5 ) من المصدر ، وفي المخطوط : ( تنظر ) .
( 6 ) ديوان الإمام علي عليه السّلام : 45 .