وجوابه : أنّ المثلين هما ما اتّحدا حقيقة وإن اختلفا في الأعراض ، كحركة الرجل وحركة اليد ، وهذه الأمور لا توجب المخالفة الذاتيّة ؛ لأنّها أوصاف للفعل .
على أنّ ذلك إنّما يلزم لو وقع منه ، والمقدور لا يجب أن يكون واقعا ، فيجوز أن يكون مقدورا غير واقع كالقبيح .
وبهذا ظهر أنّ ما ذكر في التعليل من أنّ السفه والعبث قبيحان ، والقبيح لا يجوز على اللّه تعالى ، لا يصلح للتعليل ؛ لأنّ هذا مانع للوقوع لا للقدرة ، والمعلّل إنّما هو عدم قادريّته ، فأين هذا من ذاك ؟ !
[ المبحث ] الرابع : أنّ اللّه تعالى يقدر على عين مقدور العبد ،
وخالف الجبائيان « 1 » فذهبا إلى أنّه لا يقدر على ذلك « 2 » ؛ وهو مذهب جماعة من المعتزلة « 3 » ، وإليه ذهب الشيخ والمرتضى « 4 » من أصحابنا . والحقّ خلاف ذلك .
لنا : أنّه ممكن ، واللّه تعالى قادر على جميع الممكنات كما بيّنا غير مرّة .
واحتجّ المانعون بأنّه لو قدر على عين مقدور العبد اجتمع قادران على مقدور واحد ، والتالي باطل ، فالمقدّم مثله .
أمّا الملازمة فظاهرة ، وأمّا بطلان التالي ؛ فلأنّه لو صحّ ذلك لزم اجتماع النقيضين ، والتالي باطل ، فالمقدّم مثله .
أمّا بيان الملازمة ؛ فلأنّ المقدور يقع عند الداعي ولا يقع عند الصارف ، فلو كان من قادرين فلنفرض وجود داعي أحدهما وصارف الآخر في آن واحد ، وحينئذ يجب أن يكون موجودا لوجود داعيه ، غير موجود لوجود صارفه ، فيلزم اجتماع النقيضين .
وأمّا بطلان التالي فظاهر ، وبطلان المقدّم ببطلانه أظهر .
هامش
( 1 ) الجبائيان : أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم .
( 2 ) انظر : شرح المواقف 8 : 64 ، شرح المقاصد 4 : 104 ، إرشاد الطالبين : 192 - 193 .
( 3 ) إرشاد الطالبين : 193 .
( 4 ) عنهما في : إرشاد الطالبين : 193 .