هذا وقولهم : إنّ الواحد الحقيقي لا يصدر عنه إلّا واحد ، يدّعون عليه البداهة ، ويحكمون بأنّ الأدلّة هنا تنبيهيّة لا غير .
ومن جملة الدلائل عليه ما هو مسلّم عند المتكلّمين من أنّ وحدة العلّة تستلزم وحدة المعلول ، على أنّ ذلك كلّه لا ينفي القدرة ؛ لجواز قدرته على أكثر من واحد وألّا يصدر عنه إلّا واحد ؛ فإنّ القدرة لا تستلزم الوقوع . وقد حقّقنا ذلك بما لا مزيد عليه في رسالة لنا مفردة في هذه المسألة .
* * * * قال : ( الثانية « 1 » : أنّه تعالى عالم ؛ لأنّه فعل الأفعال المحكمة المتقنة ، وكلّ من فعل ذلك فهو عالم بالضرورة ) .
الصفة الثانية : العلم
أقول : هذه هي الصفة الثانية من الصفات الثماني ، وهي كونه تعالى عالما ، وقد أجمع العقلاء على ثبوتها وإن خالف فيه بعض من لا يعبأ به ، كما سنشير إليه .
ولابدّ أوّلا من بيان العلم ، ومعناه هنا : الظهور والانكشاف ، وليس على معنى أنّه لم يكن ظاهرا ثم ظهر وانكشف ؛ بل على أنّه ظاهر غير غائب في الأزل والأبد ؛ قال اللّه تعالى :
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ
« 2 » ، وقال تعالى :
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
« 3 » .
إذا تقرّر هذا ، فاعلم أنّ المصنّف قد استدلّ على مطلوبه بقياس من الشكل الأوّل ، وهو : أنّ اللّه تعالى فعل الأفعال المحكمة المتقنة ، وكلّ من فعل ذلك فهو عالم بالضرورة ، فاللّه تعالى عالم بالضرورة . وهاتان المقدّمتان بديهيتان غير محتاجتين إلى برهان ، وإن ذكر فهو على سبيل التنبيه .
هامش
( 1 ) في المخطوط بعدها : في ، وما أثبتناه وفق المتن .
( 2 ) الأعراف : 7 .
( 3 ) يونس : 61 .