إلى موجد فكذا موجدها يحتاج إلى موجد أيضا ؛ لأنّه نفسها . على أنّه لا معنى للاحتياج إلى الموجد حينئذ ، بل الذي يجب أن يقال : إنّها موجودة بذاتها ، وقد عرفت امتناعه في الممكن .
ولو كان غيرها لزم تأثيره في نفسه وفي غيره ، فيعود ذلك المحذور بالنسبة إلى الجزء أيضا ، فيجب أن يكون خارجا عنها فيكون واجبا لا ممكنا ؛ لأنّ السلسلة جامعة للممكنات ، فلو كان ممكن هناك خارجا عنها لم تكن جامعة لجميع الممكنات ، وقد كانت كذلك ، هذا خلف . ولا ممتنعا ؛ لأنّ المعدوم لا يؤثّر في الموجود . فيكون واجبا ، وهو المطلوب . هذا تقرير ما ذكره المصنّف .
فلئن قيل : يتوجّه على قوله : ( لا شكّ أنّ هنا موجودا ) أنّ الموجود الذي لا شكّ في وجوده بديهي ، فلا يحسن أن يجعل مورد القسمة المذكورة .
قلنا : هو وإن كان لا شكّ في وجوده ، لكن في بادئ الرأي يحتمل أن يكون واجبا وممكنا ، كالشمس فإنّه لا شكّ في وجودها ، ويحتمل قبل إقامة الدليل أن تكون واجبة أو ممكنة ، وإن كان جعل مورد القسمة بعض الموجودات أولى .
وهذا البرهان يتوقّف على بطلان الدور والتسلسل ،
وهنا برهانان آخران لا يتوقّفان على ذلك :
أحدهما : أنّ الممكن ليس في ذاته ما يقتضي ترجيح وجوده على عدمه ولا العكس ، بل هو متساوي الطرفين - كما أسلفناه - فلابدّ له حينئذ من مؤثّر ،
وليس ممكنا ؛ لأنّ ما لا يوجد نفسه أولى بأن لا يوجد غيره ، ولأنّه لو كان المؤثر فيه ممكنا فتأثير ذلك الممكن فيه ليس من ذاته ؛ لأنّ وجوده إنّما هو من غيره ، وحينئذ فإيجاد غيره من غيره . ولا ممتنعا ؛ لأنّ المعدوم لا يؤثّر في الموجود . فيكون واجبا ؛ لانحصار المعقولات في هذه الثلاثة ، ومتى بطل اثنان بقي الثالث ، وهو المطلوب .
الثاني : أنّه قد وقع الإجماع من أشرف العقلاء كالأنبياء على وجود الواجب لذاته ،
ومثله وقع من الحكماء العظام والعلماء الأعلام ، والعقل يحكم بأنّ مثل هؤلاء