وقد أشير إليها أيضا في الكتاب العزيز بقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
« 1 » .
وتقريرها : أنّه لا شكّ في أنّ هنا موجودا ؛ فإمّا أن يكون واجبا ، أو ممكنا ؛ لانحصار الموجود في هذين القسمين ، فإن كان الأوّل ثبت المطلوب ، وإن كان الثاني افتقر إلى موجد يوجده بالضرورة ؛ لما أسلفناه من أنّ علّة الحاجة إلى المؤثّر في الممكن هي الإمكان . فهو - أي الموجد - إن كان واجبا فهو المطلوب ، وإن كان ممكنا افتقر إلى موجد آخر أيضا ، فإن كان هو الموجد الأوّل دار ، وإن كان موجدا آخر تسلسل ، وهما باطلان .
أمّا الدور ، فلأنّه توقّف الشيء على ما يتوقّف عليه بمرتبة أو بمراتب ؛ فالأوّل هو الدور المصرّح ، كتوقّف ( أ ) على ( ب ) و ( ب ) على ( أ ) . والثاني هو الدور المضمر ، كتوقّف ( أ ) على ( ب ) و ( ب ) على ( ج ) و ( ج ) على ( أ ) .
ووجه بطلانه : أنّ المتوقّف يجب تقدّمه على المتوقّف عليه ، فلو توقّف كلّ من الشيئين على الآخر لزم تقدّم الشيء على نفسه ، وكذا لو توقّف على شيء يتوقّف عليه ؛ فإنّ المتوقّف على المتوقّف على الشيء متوقّف على ذلك الشيء ، فيفضي إلى حصول الشيء قبل حصوله ، وإنّه محال .
وأمّا التسلسل ، فهو ترتّب علل ومعلولات إلى غير النهاية ، وهو أيضا باطل ؛ لأنّ جميع آحاد تلك السلسلة الجامعة للممكنات ممكنة ، فتشترك في امتناع الوجود لذاتها ؛ لأنّ الممكن بالنظر إلى ذاته ليس وجوده بأرجح من عدمه ، ولا عدمه أرجح من وجوده ، فتحتاج في وجودها إلى موجد وليس نفسها ؛ لأنّ الشيء لا يوجد نفسه ، وإلّا لزم حصول الشيء قبل حصوله .
ولأنّها لمّا كانت ممكنة فموجدها لو كان نفسها لكان ممكنا ، فكما أنّها تحتاج
هامش
( 1 ) فصّلت : 53 .