ممّا يستحيل إجماعهم على الكذب ، وهذا يجري في جميع الصفات .
إذا انتقش هذا على صحيفة الخاطر ، فاعلم أنّ ما يذكر هنا من البراهين فهو ليس إلّا لإثبات وجوب الموجود بالذات ، لا إلى أصل وجود إله العالم ، فإنّ ذلك فطري حاصل لكلّ واحد واحد من المقرّ والجاحد ، وهو وإن جحد باللسان لكنّه لا يستطيع إنكاره لو رجع إلى الوجدان ، أو نظر إلى ما تقتضيه العقول والأذهان .
ولهذا يفزع المنكرون إلى حضرة ذي الجلال إذا اضطرّوا في كلّ حال ، كما قال اللّه تعالى :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً
« 1 » ، وكقوله تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
« 2 » ، وقوله تعالى - حكاية عن فرعون - :
حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ
« 3 » . إلى غير ذلك من الآيات ، وهي مصرّحة بأنّ الإنكار ليس بمقتضى العقل ؛ لفزعهم إليه في الاضطرار ، كما في صحيح النقل .
وكثير من الروايات تشهد بهذا ، كما روي أنّ زنديقا دخل على الصادق عليه السّلام ، فسأله عن دليل إثبات الصانع ، فأعرض عنه ثم التفت إليه وسأله : « من أين أقبلت وما قصتك ؟ » فقال الزنديق : إنّي كنت مسافرا في البحر فعصفت علينا الريح وتقلّبت بنا الأمواج . فانكسرت سفينتنا فتعلّقت بساجة منها ، ولم يزل الموج يقلّبها حتّى قذفت إلى الساحل ، فنجوت عنها . فقال له : « أرأيت الذي قلبك إذ انكسرت السفينة وتلاطمت عليكم الأمواج فزعا مخلصا له في التضرّع ، طالبا منه النجاة فهو إلهك » . فاعترف الزنديق بذلك وحسن اعتقاده « 4 » .
وكما روي في مكالمة عبد اللّه الديصاني للصادق عليه السّلام لمّا قدم عليه ، وقال :
هامش
( 1 ) يونس : 12 .
( 2 ) الإسراء : 67 .
( 3 ) يونس : 90 .
( 4 ) معاني الأخبار : 4 - 5 / 2 ، التوحيد : 230 - 231 / 5 ، التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 22 / 6 ، بحار الأنوار 3 : 41 / 16 ، نقله بالمعنى .