لزم كون الذهن حارّا باردا ، وهو اجتماع النقيضين ، وأنّه محال ، وكذا نتصوّر الزوجيّة والفرديّة ، فلو كانا ثابتين في الذهن ، لزم اجتماع المتناقضين ، فهو في غاية السقوط ، فإنّا لا ندّعي أنّ الأشياء ثابتة بأنفسها في الذهن ، وإنّما هي ثابتة بصورها وأشباحها . كيف ، والمقتضي للسخونة في الحار هو الحرارة الخارجيّة لا نفس الماهيّة ، وكذا المقتضي لعدم السخونة في البارد هو البرودة الخارجيّة لا نفس الماهيّة ، فالوجود الذهني ثابت قطعا .
مباحث حول الوجوب والإمكان والامتناع
وإذ قد انتهى بنا الكلام إلى هذا المقام فلا بأس بإيراد مباحث تمسّ الحاجة إليها في هذا الباب :
[ المبحث ] الأوّل : أنّ هذه الثلاثة - أعني : الوجوب والإمكان والامتناع - أمور بديهيّة غنيّة عن التعريف ،
كما أنّ الوجود والعدم غنيّان عن التعريف ، وكما أنّ ما يذكر من التعاريف للوجود والعدم إنّما هو على سبيل التنبيه ، وليس لشيء منها تعريف حقيقي ؛ لاشتماله على الدور ، كقولهم : الموجود هو الثابت العيني ، والمعدوم هو المنفي العين ، فإنّ الثابت والمنفيّ يعرّفان ب ( الموجود ) و ( المعدوم ) .
فكذا ما يذكر لهذه الثلاثة في مقام التعريف إنّما هو على سبيل التنبيه ، وليس لشيء منها تعريف حقيقي ؛ لاشتماله على الدور ، كقولهم : الواجب هو ما يستحيل انفكاكه ، فإنّ مستحيل الانفكاك يعرّف ب ( ما لا يمكن انفكاكه ) ، والممكن يعرّف ب ( عدم الوجوب ) ، فيلزم الدور حينئذ ، فلا يكون تعريفا حقيقيّا ، بل هو إيضاح وتنبيه . وقس على ذلك حال الامتناع والإمكان « 1 » .
[ المبحث ] الثاني : أنّ الوجوب والامتناع قد يؤخذان ذاتيين ، وقد يؤخذان مقيّدين بالغير ،
هامش
( 1 ) انظر : كشف المراد : 46 ، إرشاد الطالبين : 41 - 44 .