ومنها : ما لا يدركه العقل لا ضرورة ولا نظرا ، كحسن صوم آخر شهر رمضان ، وقبح صوم أوّل شوال ، لكن إذا ورد به الشرع علم أنّ هناك جهة محسّنة في الأوّل ؛ لأنّ الشارع أوجبه ، ومقبّحة في الثاني ؛ لأن الشارع حرّمه .
فإدراك الحسن والقبح في هذا موقوف على كشف الشارع ، بخلافه في الأوّلين ، فإنّ حكم العقل [ مقرر ] « 1 » له . وهذا هو الحقّ .
لنا على ما ادّعيناه وجوه - وإن كانت عندنا إنّما هي أمور تنبيهيّة ؛ لأنّا ندّعي الضرورة على ما قلناه ، فلا حاجة إلى الاستدلال - على سبيل التنبيه :
الأوّل من تلك الوجوه : أنّ الضرورة قاضية بحسن بعض الأشياء كالصدق النافع والإحسان وردّ الوديعة ، وقبح بعضها كالكذب الضارّ والإساءة وخون الأمانة ، وهذا ما تقتضيه جبلة الإنسان ، فإنّك لو قلت لشخص : إن صدقت فلك دينار وإن كذبت فلك دينار ، وتساوى الأجر عنده ، فمن المتيقّن أنّه يختار الصدق ، والمنكر لذلك مكابر مقتضى عقله .
الثاني : أنّه لا يشكّ أحد في حسن ما ذكرنا حسنه وقبح ما ذكرنا قبحه ، وإنّما الخلاف في أنّ ذلك من الشرع أو العقل .
وحينئذ ، فنقول : الحاكم بذلك إمّا العقل أو الشرع ، لا سبيل إلى الثاني ؛ وذلك لأنّا لو فرضنا أنفسنا كالهيولى خالية من جميع الشرائع ، ثم عرضنا عليها الأشياء الحسنة والقبيحة ، [ فإنّا ] « 2 » حينئذ نحكم بحسن الحسن وقبح القبيح من غير شكّ ، دون حسن صوم آخر رمضان وقبح صوم أوّل شوال قبل السماع من الشرع ، وذلك يدلّ على أنّ الحاكم هناك العقل ، وإلّا لما جاز الحكم في الأوّل بدون السماع من الشارع ، كما أنّ الثاني كذلك .
الثالث : أنّه لو كان الحاكم هو الشارع لم يحكم بالحسن والقبح المنكر لجميع
هامش
( 1 ) في المخطوط : ( مقو ) .
( 2 ) في المخطوط : ( فإنما ) .