شرح
واسِطَةِ بَشَرٍ يَخْرُجُ الإمامُ والعالِمُ فَإنَّهُمَا مُخْبِرانِ عَنِ اللَّهِ تعالى بِواسِطَةِ النَبيِّ صلوات اللَّه عليه .
إذا تَقَرَّرَ هذا فَاعْلَمْ أنَّ النُبُوّةَ مَعَ حُسْنِهَا - خِلافاً لِلبَراهِمَةِ « 1 » - واجِبَةٌ في الحِكْمَةِ ، خِلافاً لِلأشاعِرَةِ . والدَليلُ عَلى ذلك هُو أَنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنْ إيجادِ الخَلْقِ هو المَصْلَحَةُ العائِدَةُ إلَيْهِم كان إسْعافُهُمْ بِمَا فيه مَصالِحُهُمْ ورَدْعُهُمْ عَمّا فيه مَفاسِدُهُمْ واجِباً في الحِكْمَةِ ، وذلك إمّا في أحْوالِ مَعاشِهِم أوْ أحْوالِ مَعادِهِمْ .
أمّا في أحْوالِ مَعاشِهِمْ فَهُوَ : أَنَّهُ لَمّا كانَتِ الضَرُورَةُ داعِيَةً في حِفْظِ النَوْعِ الإنْسانِيِّ إلى الاجْتِماعِ « 2 » الَّذِي يَحْصُلُ مَعَهُ مُقاوَمَةُ كُلِّ واحِدٍ لِصاحِبِهِ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ اسْتَلْزَمَ ذَلك الاجْتِماعُ تَجاذُباً وتَنازُعاً يَحْصُلانِ مِنْ مَحَبَّةِ كُلِّ واحِدٍ لِنَفْسِهِ .
إرادَةُ المَنْفَعَةِ لَها دُونَ غَيْرِها بِحَيثُ يُفْضِي ذلك إلى فَسادِ النَوْعِ واضْمِحْلالِهِ ، فَاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ وُجُودَ عَدْلٍ يَفْرُضُ شَرعاً يَجْرِي بَيْنَ النَوْعِ بِحَيثُ يَنْقادُ كُلُّ واحِدٍ إلى أمْرِهِ ويَنْتَهِي عِنْدَ زَجْرِهِ « 3 » . ثُمَّ لَوْ فُوِّضَ ذلك الشَرْعُ إلَيْهِمْ لَحَصَلَ ما كان أوّلًا ، إذْ لِكُلِّ واحِدٍ رأيٌ يَقْتَضِيهِ عَقْلُهُ ومَيْلٌيُوجِبُهُ طَبْعُهُ « 4 » ، فَلابُدَّ « 5 » حِينَئِذٍ مِنْ شارِعٍ مُتَمَيِّزٍ
هامش
( 1 ) البَراهِمَةُ هُمُ الَّذينَ يَعْتَقِدُونَ على أَنَّهُمْ خَدَمَةُ بَرَهْمَا وهو أحَدُ الآلِهَةِ الثَلاثَةِ الهِنْدُوِيَّةِ القَديمَةِ . ( مُتَرْجَمة باختصار مِنْ كِتابِ « لغتنامه فرهنگ عميد » الفارسيّ ) .
( 2 ) هذا إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مَدَنيّاً ولايُمْكِنُ لأحَدٍ مِنْ هذا النَوْعِ أنْ يَعيشَ وَحيداً كَمَايَعيشُ الحَيَوانُ ، والمانِعُ عَنْ ذلك هو حاجاتُهُ مِنْ جِهاتٍ شَتَّى في أبْعادِهِ الحَيَوِيَّةِ العَديدَةِ .
( 3 ) هذا إشارَةٌ إلى أنَّ الشَرعَ والقانُونَ ما لَمْيُؤْمِنْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ النَاسِ إلى عَدْليَّتِهِ لايَنْقادُ إلىأمْرِهِ ولايَنْتَهِي عِنْدَ نَهْيِهِ .
( 4 ) هذا أيضاً مُشِيرٌ إلى عِلَّةِ مَرْدُودِيَّةِ الشَرْعِ الَّذِي يَجْعلُهُ الإنْسانُ ويُشَرِّعُهُ لأنّ الشَرْعَ لايَسْلَمُمِنْ شَوْبِ الجَهْلِ البَشَرِيِّ وطَبِيعَتِهِ الطاغِيَةِ .
( 5 ) لَفْظَةُ « لابُدَّ » فيأمْثالِ هذا المَوْرِدِ مَعْناها عَدَمُالحِيلَةِ على حَسْبِ عالَمِنا التكْوِينِيِّ والشُروطِ التكْوِينِيَّةِ الحاكِمَةِ على الإنْسانِ ، ولَيْسَ مَعْناها أَنّا لاحِيلَةَ لَنا أوْ لاحيلَةَ لِلَّهِ ( نعوذ باللَّه ) فَتَدَبَّرْ .