شرح
فَمَعْناها اذَنْ سَلْبِيٌّ ، لَكِنْ هذا القائِلُ أخَذَ لازِمَ الشَيْءِ في مَكانِهِ . وقالَ البَلْخِيُّ : هِيَ في أفْعالِهِ عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ بِها وفي أفْعالِ غَيرِهِ أمْرُهُ بِها . فَإنْ أرادَ العِلْمَ المُطْلَقَ فَلَيْسَ بِإرادَةٍ كَماسَيَاْتي . وإنْأرادَ المُقَيَّدَ بِالمَصْلَحَةِ فَهوكَما قالَ أبوالحَسَنِالبَصْرِيُّ .
وأمّا الأمْرُ فهو مُسْتَلْزِمٌ لِلإرادَةِ لانَفْسِها . وقالتِ الأشاعِرَةُ والكرّامِيَّةُ وجَماعَةٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ : إنَّها صِفَةٌ زائِدَةٌ مُغايِرَةٌ لِلْقُدْرَةِ والعِلْمِ مُخَصِّصَةٌ لِلْفِعْلِ . ثُمَّ اخْتَلَفوا ، فَقالَتِ الأشاعِرَةُ : ذَلكَ الزَائِدُ مَعنىً قَديمٌ . وَقالتِ المُعتَزِلَةُ والكَرَّامِيَّةُ : هُو مَعنىً حَادِثٌ . فَالكَرّامِيَّةُ قَالوا : هُو قَائِمٌ بِذاتِهِ تعالى . والمُعتَزِلَةُ قَالوا : لا في مَحَلٍّ .
وسَيَأتي بُطْلانُ الزِيادَةِ ، فإذن الحَقُّ مَا قالَهُ أبوالحَسَنِ البَصْريُّ .
والدَليلُ على ثُبوتِ الإرادَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ « 1 » :
الأوّلُ : أنَّ تَخْصيصَ الأفْعالِ بِالإيجادِ في وَقْتٍ دونَ وَقْتٍ آخَرَ وعلى وَجْهٍ دونَ آخَرَ - مَعَ تَساوِي الأوقاتِ والأحْوالِ بِالنِسْبَةِ إلى الفاعِلِ والقابِلِ - لابُدَّ لَهُ مِنْ مُخَصِّصٍ . فَذلكَ المُخَصِّصُ إمّا القُدْرَةُ الذاتِيَّةُ فَهِيَ مُتَساوِيَةُ النِسْبَةِ فَلَيْسَتْ صالِحَةً لِلتَخْصيصِ ولأنَّ مِنْ شَأنِها التأثيرُ والإيجادُ مِنْ غَيرِ تَرْجيحٍ ، وأمّا العِلْمُ المُطْلَقُ فَذلكَ تابِعٌ لِتَعيينِ المُمْكِنِ « 2 » وتَقْديرِ صُدورِهِ ، فَلَيْسَ مُخَصِّصاً وإلَّا لَكانَ مَتْبوعاً .
وأمّا باقي الصِفاتِ فَظاهِرٌ أَنَّها لَيْسَتْ صالِحَةً لِلتَخْصيصِ .
هامش
( 1 ) بَلْ مِنْ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ ، والوَجْهُ الثالِثُ هَو اتِّفاقُ المُسْلِمينَ بِقولِ الشارِحِ واتِّفاقُ المِلِّيّينَ بِقَولِنا وهو دَليلٌ قَوِيٌّ مَتينٌ .
( 2 ) تَوضيحُ ذلك : انّا نَنْظُرُ إلى العِلْمِ المُطْلَقِ بِالشَيْءِ مَرَّتَيْنِ : مَرَّةً قَبْلَ وجودِهِ الخارِجِيِّ وهِيَالَّتي كانَ الشيْءُ في عِلْمِهِ تعالى ، ونُسَمِّي وجودَهُ هاهُنا وُجودَهُ العِلْمِيَّ . ومَرَّةً إذا تَحَقَّقَ الشَيْءُ تَحَقُّقاً عَينيّاً ووُجِدَ وجوداً خارِجيّاً . فَبِالنِسْبَةِ إلى الأولى لَيْسَ الأمرُ مُشْكِلًا وبِالنسْبَةِ إلى الثانِيةِ لانَعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِهذا الشَيْءِ العينِيِّ حَتَّى يَتَقَدَّرَ صُدورُ الشَيْءِ ويَتَعَيَّنَ شرايِطُهُ الخاصَّةُ مِنَ الزَمانِ والمَكانِ وغَيرِهِما ، فَإذا حَصَلَ جَميعُ مُقَدَّماتِهِ وشَرائِطِهِ ووُجِدَ نَعْتَقِدُ بِأَنَّهُ سُبحانَهُ يَعْلَمُ وجودَ هذا الشَيْءِ الَّذي هُو في الخارِجِ .