وهُما حادِثانِ لاسْتِدعائِهِمَا المَسْبُوقيَّةَ بِالغيرِ ، ومالايَنفَكُّ عَنِ الحَوادِثِ فَهُوَمُحْدَثٌ بِالضَرُورَةِ ، فَيَكُونُالمُؤثّرُ فيه - وهو اللَّهُ تعالى - قادِراً مُختاراً ، لأنَّهُ لوكانَ مُوجَباً لميَتَخَلَّفْ أثَرُهُ عَنهُ بِالضرورَةِ ، فَيَلْزَمُ مِن ذلك إمّا قِدَمُ العالَمِ أوْ حُدوثُ اللَّهِ تعالى ، وهُما باطِلانِ .
شرح
أقول : لَمّا فَرَغَ مِنْ إثْباتِ الذاتِ شَرَعَ في إثْباتِ الصفاتِ « 1 » ، وقَدَّمَ الصِفاتِالثُبُوتِيَّةَ لأنَّهَا وُجُودِيَّةٌ ، والسَلْبيَّةُ عَدَمِيَّةٌ ، والوُجُودُ أشْرَفُ مِنَ العَدَمِ ، والأشْرَفُ مُقَدَّمٌ عَلى غَيْرِهِ ، وابْتَدَأ بِكَوْنِهِ قادِراً لاسْتِدْعاءِ الصُنْعِ القُدْرَةَ « 2 » . ولْنَذْكُرْ هُنا مُقَدَّمَةً تَشْتَمِلُ عَلَي تَصَوُّرِ مُفْرَداتِ هَذَا البَحْثِ ، فَنَقُولُ :
القادِرُ المُخْتارُ « 3 » هَوَ الَّذِي إذا شَاءَ أنْ يَفْعَلَ فَعَلَ ، وإنْ شاءَ أنْ يَتْرُكَ تَرَكَ ، مَعَ وُجُودِ قَصْدٍ وإرادَةٍ . والمُوجَبُ بِخِلافِهِ ، والفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ :
الأوّلُ : أنَّ المُخْتارَ يُمْكِنُهُ الفِعْلُ والترْكُ مَعاً « 4 » بِالنِسْبَةِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ ، والمُوجَبُ بِخِلافِهِ .
الثاني : أنَّ فِعْلَ المُخْتارِ مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ والقَصْدِ والإرادَةِ ، بِخِلافِ المُوجَبِ .
الثالِثُ : إنَّ فِعْلَ المُخْتارِ يَجُوزُ تَأخُّرُهُ عَنْهُ وفِعْلَ المُوجَبِ لايَنْفَكُّ عَنْهُ ،
هامش
( 1 ) تَنْقَسِمُ صِفاتُهُ تعالى إلى الثُبوتِيَّةِ والسَلْبِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ . فَالثُبوتِيَّةُ ما لايُمْكِنُ سَلْبُها عنه تعالى ، والسَلْبيَّةُ ماتَسْتَحيلُ نِسْبَتُها إليهِ سُبْحانَهُ ، والفِعْليَّةُ لاذلك ولاذاك ، بَلْنَنْسِبُكُلّاً مِنها إليه تعالى في مَوْرِدِهِ ونَسْلُبُها في غَيرِ مَورِدِهِ كَخالِقيَّتِهِ لِشَخْصِ المَوْجودِ وعَدَمِها لابْنِهِ الَّذي لَمْيُخْلَقْ .
( 2 ) هذا التعْليلُ لايَدْفَعُ الإشْكالَ المُقَدَّرَ لأنَّ الصُنْعَ كَما يَسْتَدْعِي القُدْرَةَ هَكَذا يَسْتَدْعِي العِلْمَأيضاً بَلِ العِلْمُ مُتَقَدِّمٌ .
( 3 ) قيدُ القادِرِ بِالمُخْتارِ قيدٌ تَوْضيحِيٌّ ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ القادِرُ بِدونِ هذا القيدِ ولايَخْتَلُّ مَعْناهُ .
( 4 ) والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ هُنا هِيَ المَعِيَّةُ بالنِسْبَةِ إلى وُجودِ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ والتركِ لا نَفْسِ الفِعْلِوالترْكِ في زَمانٍ واحِدٍ كَيْ يَلْزَمَ منهُ جَمْعُ النَقيضَيْنِ .