شرح
الأوّل : هُوَ الاسْتِدْلالُ بِآثارِهِ المُحْوِجَةِ إلَى السبَبِ عَلى وُجُودِهِ ، كَمَا أشارَ إليهِ في الكِتابِ العَزيزِ بِقَوْلِهِ تعالى : « سَنُرِيهِمْ ءَايتِنَا فِى ا لْأَفَاقِ وَفِى أنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ا لْحَقُّ » « 1 » .
وهو طريقُ إبْراهيمَ الخَليلِ عليه السلام ، فَإنَّهُ اسْتَدَلّ بِالافُولِ الَّذي هو الغَيبَةُ المُسْتَلْزِمَةُ لِلْحَرَكَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلْحُدُوثِ المُسْتَلْزِمِ لِلصانِعِ تعالى .
الثاني : هُو أنْ يُنْظَرَ في الوُجُودِ نَفْسِهِ ، ويُقَسَّمَ إلَى الواجِبِ والمُمكِنِ حَتّى يَشْهَدَ القِسْمَةُ بِوُجودِ واجِبٍ صَدَرَ عنه جَميعُ ما عَداهُ مِنَ المُمْكِناتِ ، وإلَيهِ الإشارةُ في التنْزيلِ بِقَوْلِهِ تعالى :« أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »« 2 » .
هامش
لِلْعِلْمِ ولااسْتِقْرائِيٌّ حَتّى يُفيدَ الظّنّ كَمَا زَعَمَهُ الفَيْلَسُوفُ الغَرْبيُّ هيوم ( وهو فيلسوف ومؤرّخ اسكتلندي ، منشئ الفلسفة الظاهريّة الّتي تنبثق من فلسفي لوك وبيركلي ) فَهو ما نَرَى ونَعْلَمُ أنّ العالَمَ في أرْضِهِ وسَمائِهِ وحَيَوانِهِ ونَباتِهِ وجَمادِهِ وشُمُوسِهِ وأقْمارِهِ وجَميعِ المُكَوّناتِ مَلِيءٌ بِالنظْمِ بِحَيثُ لايَشُكُّ فيهِ ذُو عَقْلٍ .
فهذا النظامُ العامّ الجارِي لَيْسَ مِنْ جَوهَرِ العالَمِ إذْ تَظْهَرُ مِنْهُ آثارُ البَقاءِ وَالكَمالِ في الموجوداتِ ، وهُو أبْيَنُ دَليلٍ عَلى وُجُودِ ناظِمٍ مُقْتَدِرٍ عَلّامٍ . ولَيْسَ هذا النظامُ حاصِلًا مِنَ الاسْتِقْراءِ حَتّى لايُفيدَ العِلْمَ بِالمُدّعى ( كَما زَعَمَهُ هيوم ) بَلْ قياسِيٌّ لِما ذَكَرْنا مِنْ أنّ النظْمَ مُؤَثّرٌ في بَقاءِ العالَمِ أوْ كَمالِهِ فَإنْ كانَ في العالَمِ بُعْدٌ مَجْهُولٌ لَنا غَيرُ مَنْظُومٍ لَما كانَ مَوْجُوداً فَإذا فُرِضَ وُجُودُهُ كان مَنْظُوماً .
أمّا الضرُورَةُ ( وهِيَ مِنْ أقْوَى الدلائِلِ في المَقامِ ) فَبَيانُهَا أنّ وُجُودَهُ تعالى حَقيقَةٌ لايَشُكّ فيها اثْنانِ مِنَ المِلّيّينَ في العالَمِ والمُرادُ بِهِمْ جَميعُ القائِلينَ بِوُجُودِهِ سُبْحانَهُ المُتَدَيِّنينَ بِأيّ دينٍ إلهيٍّ . ثُمّ إنّا لَمْ نَدْرِ عِلَّةَ تَرْكِ المُصَنِّفِ والشارِحِ رحمهما الله الدليلَيْنِ مَعَ كَوْنِهِما مُوافِقَيْنِ لِمَبْنَى المُتِكَلّمينَ . وهُنا بُرْهانانِ آخَرانِ : الأوّلُ بُرْهانُ الفِطْرَةِ ، وهُوَ مِنَ العُرَفاءِ . والثاني بُرْهانُ الحَرَكَةِ ، وهُوَ مِنَ الطبيعِيّينَ ، أغْمَضْنا عَنْ شَرْحِهِما لِخَوْفِ الإطالَةِ .
( 1 ) فصّلت : 53 .
( 2 ) فصّلت : 53 .