وَلاشَكّ فِي أَنّ هُنا « 1 » مُوجُوداً بِالضرورَةِ « 2 » ، فَإنْ كانَ واجِباً لذاتِهِ فَهُوَ المَطلوبُ « 3 » ، وإنْ كانَ مُمْكِناً افْتَقَرَ إلى مُوجِدٍ يُوجِدُهُ بِالضرُورَةِ ، فَإنْ كانَ المُوجِدُ واجِباً لِذاتِهِ فَالمَطلوبُ ، وإنْ كانَ مُمكِناً افْتَقَرَ إلى مُوجِدٍ آخَرَ ، فإنْ كانَ الأوّلُ دارَ وهو باطِلٌ بِالضرورَةِ ، وإنْ كانَ مُمكِناً آخَرَ تَسَلْسَلَ وهو باطِلٌ أيضاً ، لأنَّ جَميعَ آحادِ تِلكَ السلْسِلَةِ الجامِعَةِ لِجَميعِ المُمكِناتِ تَكونُ مُمكِنَةً بالضرورَةِ ، فَتَشْتَرِكُ في امْتِناعِ الوُجودِ لِذاتِهَا ، فلابُدَّ لَها مِن مُوجِدٍ خارجٍ عَنها بالضرورَةِ ، فَيَكونُ واجِباً بالضرورَةِ ، وهو المطلوبُ .
شرح
لِماهِيَّةِ المُمْكِنِ ، ويَسْتَحيلُ رَفْعُهُ عَنْهُ ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُهُ مِنَ الإمْكانِ إلى الوُجُوبِ أوِ الامْتِناعِ ، وقَدْ ثَبَتَ أنّ الاحْتياجَ لازِمٌ لِلإمْكانِ ، والإمْكانُ لازِمٌ لِماهِيَّةِ المُمكِنِ ، ولازِمُ اللازِمِ لازِمٌ ، فَيَكونُ الاحْتياجُ لازِماً لِماهِيَّةِ المُمكِنِ ، وهَوَ المَطلُوبُ .
قال : « وَلاشَكّ فِي أَنّ هُنا موجُوداً . . . إلخ » .
أقول : لِلْعُلَماءِ كافَّةً في إثْباتِ الصانِعِ طَريقانِ « 4 » :
هامش
( 1 ) أيْ في عالَمِ الخارِجِ أوِ الواقِعِ الَّذي هو أعَمُّ مِنَ المَحْسُوسِ والمَعْقُولِ .
( 2 ) خِلافاً لِبَعْضِ الفِرَقِ السوفَسْطِيَّةِ الَّذينَ يُنْكِرُونَ الضَرُوراتِ كُلَّهَا .
( 3 ) شَرَعَ المُصَنِّفُ هُنا مِنْ إثْباتِ الواجِبِ لِذاتِهِ بَعْدَ إثْباتِ إمْكانِهِ في تَقْسيمِ المَعْقولِ المُتَقَدِّمِ .
( 4 ) بَلْ طُرُقٌ عَديدَةٌ . والمُرادُ مِنَ العُلَماءِ هُمُ المُتَكَلّمُونَ فَقَطْ لا الحُكَماءُ ولا الطبيعِيُّونَ ولاغَيرُهُمْ . والطريقَان غَيرُ المَذْكُورَيْنِ هُنَا مِنَ المُتَكَلِّمينَ هُمَا طَريقُ النظْمِ والضرُورَةِ .
أمّا النظْمُ فَتَعْريفُهُ هو : نَظْمُ كُلّ شَيْءٍ وَضْعُ كُلّ جُزْءٍ مِنْهُ مَوْضِعاً يَظْهَرُ أثَرُهُ في وُجُودِ الشيءِ أوْ بَقائِهِ أوْ كَمالِهِ أوْ تَبَدّلِهِ أوْ زَوالِهِ بِحَيثُ لَوْ وُضِعَ هذا الجُزْءُ المُعَيَّنُ مَثَلًا في مَوْضِعٍ آخَرَ لاخْتَلّ أثَرُهُ المَطلوبُ . فَبِهذا التعْريفِ نَعْلَمُ أنّ دلِيلَ النظْمِ على وُجُودِهِ سُبْحانَهُ دَليلٌ قياسِيٌّ مُفيدٌ