وَوُجُوبِ التوبَةِ « 1 » .
شرح
وكَذَا أحْوالُ النارِ ، وكَيفِيَّةِ العِقابِ فِيهَا ، وأنْواعِ آلامِهَا ، على ما وَرَدَتْ بِذَلِكَ الآياتُ والأخْبارُ الصَحِيحَةُ . وأجْمَعَ عَليهِ المُسْلِمُونَ ، لأنَّ ذَلِكَ جَمِيعَهُ أخْبَرَ بِهِ الصادِقُ مَعَ عَدَمِ اسْتِحالَتِهِ في العَقْلِ ، فَيَكُونُ حَقّاً ، وهُوَ المَطْلُوبُ .
قال : « وَوُجُوبِ التوبَةِ » .
أقول : التوبَةُ « 2 » هِيَالنَدَمُ على القَبِيحِ في الماضِي ، والترْكُ لَهُ في الحالِ ، والعَزْمُ على عَدَمِالمُعاوَدَةِ إلَيْهِ فيالاسْتِقْبالِ ، وهِيَواجِبَةٌ « 3 » لِوُجُوبِ النَدَمِ إجْماعاً « 4 » على كُلِّ قَبِيحٍ أوْ إخْلالٍ بِواجِبٍ ، ولِدَلالَةِ السَمْعِ على وُجُوبِهَا ، ولِكَوْنِهَا دافِعَةً لِلضَرَرِ ،
هامش
( 1 ) أيْ يَجِبُ الإقْرارُ والتصْدِيقُ بِوُجُوبِ التوْبَةِ . ولاشَكَّ في أنَّ هَذَا الوُجُوبَ وُجُوبٌ عَقْلِيٌّ قَبْلَ أنْ يُوجِبَهَا الشَرْعُ ، لأنَّ التوْبَةَ دافِعَةٌ لِلعَذابِ ومُوجِبَةٌ لِحُصُولِ الثَوابِ . وأيضاً يَنْبَغِى أنْ يُعْلَمَ أنَّ هذِهِ التوْبَةَ واجِبَةٌ عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ والإخْلالِ بِالواجِبِ ، وَلَكِنَّ التوْبَةَ المَنْدُوبَةَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ أوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ وهِيَ مُهِمَّةٌ عِنْدَ أهْلِ السلُوكِ .
ثُمَّ إنَّها واجِبَةٌ عَلَي الفَوْرِ أوْ لا ؟ والحَقُّ أَنَّها واجِبَةٌ على الفَوْرِ لأنَّ كُلَّ ما كانَ ضَرَرُ التخَلُّفِ أشَدَّ ووَقْتُ مُؤاخَذَتِهِ أخْفاءً تَكُونُ التوْبَةُ مِنَ التخَلُّفِ أسْرَعَ وُجُوباً . مُضافاً إلى أَنّها إنْ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً عَلَى الفَوْرِ لأوجَبَ تَأخِيرُهَا التجَرّي على المَوْلى وانْغِمَارَ العَاصِي في الذُنُوبِ أكْثَرَ مِمّا سَبَقَ .
( 2 ) يُنظَرُ إلى التوْبَةِ مِنْ جِهَتَيْنِ : الأولى فِقْهِيَّةٌ عَمَلِيَّةٌ ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِذِكْرِهَا . والثَانِيَةُ كَلامِيَّةٌ ، وهِيَأنْ يَعْتَقِدَ المُؤْمِنُ بِأنَّ تَشْرِيعَهَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تعالى وهِيَ مِنْ جُمْلَةِ ما جاءَ بِهِ النَبِيُّ صلى الله عليه وآله .
( 3 ) والَّذي لَمْ يَذْكرهُ المُصَنِّفُ ولا الشَارِحُ هُنا هو أنَّ وُجُوبَ التوبَةِ عَقْلِيٌّ أمْ شَرْعِيٌّ ؟ وفُوريٌّ أمْتَأخِيريٌّ ، وهَلْ هُوَ واجِبٌ عِينِيٌّ أوْ كَفائِيٌّ ؟ عَلى ما يَخْطُرُ بِالبالِ أَنَّهَا ( أوّلًا ) واجِبَةٌ عَلى نَحوِ الفَورِ لا التراخي . و ( ثانِياً ) يَثْبُتُ وُجُوبُهَا بِالعَقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ ويَتَأيَّدُ بِالشَرْعِ . و ( الثالِثُ ) هو واجِبٌ عَينِيٌّ لاكِفائِيٌّ .
( 4 ) لَيْسَ هَذَا الإجْماعُ إجْماعاً مِنْ أفاضِلِ الفُقَهَاءِ ، بَلْ هُوَ إجْماعٌ عُقَلائِيٌّ لاعْتِرافِ كُلِّ عاقِلٍ بِوُجُوبِ النَدَمِ على كُلِّ مُرْتَكِبٍ لأيِّ قَبِيحٍ .