الميتة من بهيمة الأنعام مستثناة من الإباحة ، فهذا تأويل لا وجه له . ثم لا يخلو من أن
يكون قوله : ( غير محلى الصيد وأنتم حرم ) مستثنى مما يليه من الاستثناء ، فيصير بمنزلة
قوله : إلا ما يتلى عليكم إلا محلي الصيد وأنتم حرم ، ولو كان كذلك لوجب أن يكون
موجبا لإباحة الصيد في الإحرام ، لأنه استثناء من المحظور ، إذ كان مثل قوله : ( إلا ما
يتلى عليكم ) سوى الصيد مما قد بين وسيبين تحريمه في الثاني ، أو أن يكون معناه :
أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) روي عن السلف فيه وجوه ،
فروي عن ابن عباس : " أن الشعائر مناسك الحج " . وقال مجاهد : " الصفا والمروة
والهدي والبدن كل ذلك من الشعائر " . وقال عطاء : " فرائض الله التي حدها لعباده " .
وقال الحسن : " دين الله كله لقوله تعالى : ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى
القلوب ) [ الحج : 32 ] أي : دين الله " . وقيل : إنها أعلام الحرم نهاهم أن يتجاوزوها غير
محرمين إذا أرادوا دخول مكة . وهذه الوجوه كلها في احتمال الآية . والأصل في الشعائر
أنها مأخوذه من الإشعار وهي الإعلام من جهة الإحساس ، ومنها مشاعر البدن وهي
الحواس . والمشاعر أيضا هي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات ، وتقول : قد شعرت
به ، أي علمته ، وقال تعالى : ( لا يشعرون ) [ البقرة : 12 ] يعني : لا يعلمون . ومنه
الشاعر لأنه يشعر بفطنته لما لا يشعر به غيره . وإذا كان الأصل على ما وصفنا فالشعائر
العلامات واحدها شعيرة ، وهي العلامة التي يشعر بها الشئ ويعلم ، فقوله تعالى : ( لا
تحلوا شعائر الله ) قد انتظم جميع معالم دين الله ، وهو ما أعلمناه الله تعالى وحده من
فرائض دينه وعلاماتها بأن لا يتجاوزوا حدوده ولا يقصروا دونها ولا يضيعوها ، فينتظم
ذلك جميع المعاني التي رويت عن السلف من تأويلها ، فاقتضى ذلك حظر دخول الحرم
إلا محرما ، وحظر استحلاله بالقتال فيه ، وحظر قتل من لجأ إليه ، ويدل أيضا على
وجوب السعي بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الله على ما روي عن مجاهد ، لأن
الطواف بهما كان من شريعة إبراهيم عليه السلام ، وقد طاف النبي صلى الله عليه وسلم بهما ، فثبت أنهما
من شعائر الله .
وقوله عز وجل : ( ولا الشهر الحرام ) ، روي عن ابن عباس وقتادة أن إحلاله هو
القتال فيه ، قال الله تعالى في سورة البقرة : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال
فيه كبير ) [ البقرة : 217 ] وقد بينا أنه منسوخ ، وذكرنا قول من روي عنه ذلك وأن قوله
تعالى : ( فاقتلوا المشركين ) [ التوبة : 5 ] نسخه . وقال عطاء : " حكمه ثابت ، والقتال في
الشهر الحرام محظور " . وقد اختلف في المراد بقوله : ( ولا الشهر الحرام ) فقال قتادة :
أحكام القرآن — صفحة 376
مساهمون: الجصاص
ص٣٧٦