أنها لا تصير واجبة بالنذر ، كما أن ما كان محظورا لا يصير مباحا ولا واجبا بالنذر وتجب
فيه كفارة يمين إذا أراد يمينا وحنث ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا نذر في معصية الله " وكفارته كفارة
يمين ، فالنذر ينقسم إلى هذه الأنحاء .
وأما الأيمان فإنها تعقد على هذه الأمور من قربة أو مباح أو معصية ، فإذا عقدها
على قربة لم تصر واجبة باليمين ، ولكنه يؤمر بالوفاء به فإن لم يف به وحنث لزمته
الكفارة ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن عمر : " بلغني أنك قلت والله
لأصومن الدهر ؟ " فقال : نعم ، قال : " فلا تفعل ولكن صم من كل شهر ثلاثة أيام " فقال :
إني أطيق أكثر من ذلك ، إلى أن رده إلى أن يصوم يوما ويفطر يوما ، فلم يلزمه صوم
الدهر باليمين ، فدل ذلك على أن اليمين لا يلزم بها المحلوف عليه ، ولذلك قال أصحابنا
فيمن قال : " والله لأصومن غدا " ثم لم يصمه : فلا قضاء عليه وعليه كفارة يمين . والقسم
الآخر من الأيمان : هو أن يحلف على مباح أن يفعله فلا يلزمه فعله كما لا يلزمه فعل
القربة المحلوف عليها ، فإن شاء فعل المحلوف عليه وإن شاء ترك ، فإن حنث لزمته
الكفارة . والقسم الثالث : أن يحلف على معصية ، فلا يجوز له أن يفعلها بل عليه أن
يحنث في يمينه ويكفر عنها ، لقوله : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت
الذي هو خير وليكفر عن يمينه " ، وقال : " إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها
إلا فعلت الذي هو خير وكفرت عن يميني " ، وقال الله تعالى : ( ولا يأتل أولو الفضل
منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا
وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) [ النور : 22 ] ، روي أنها نزلت في أبي بكر
الصديق حين حلف أن لا ينفق على مسطح بن أثاثة لما كان منه من الخوض في أمر
عائشة رضي الله عنها ، فأمره الله تعالى بالرجوع إلى الانفاق عليه .
قوله تعالى : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) قيل في الأنعام إنها الإبل والبقر والغنم ،
وقال بعضهم : الإطلاق يتناول الإبل وإن كانت منفردة ، وتتناول البقر والغنم إذا كانت مع
الإبل ، ولا تتناولهما منفردة عن الإبل ، وقد روي عن الحسن القول الأول . وقيل : إن
الأنعام تقع على هذه الأصناف الثلاثة وعلى الظباء وبقر الوحش ولا يدخل فيها الحافر ،
لأنه أخذ من نعومة الوطء ، ويدل على هذا القول استثناؤه الصيد منها بقوله في نسق
التلاوة : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) . ويدل على أن الحافر غير داخل في الأنعام
قوله تعالى : ( والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ) [ النحل : 5 ] ثم
عطف عليه قوله تعالى : ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها ) [ النحل : 8 ] فلما استأنف
ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست منها . وقد روي عن ابن عباس أنه قال في
أحكام القرآن — صفحة 373
مساهمون: الجصاص
ص٣٧٣