بالنعال ، فإذا لم توجد فالجفاف تقور ثم تجعل في أعناقها ثم يتصدق بها " . وقيل : هو
صوف يفتل فيجعل في أعناق الهدي .
قال أبو بكر : قد دلت الآية على أن تقليد الهدي قربة ، وأنه يتعلق به حكم كونه
هديا ، وذلك بأن يقلده ويريد أن يهديه فيصير هديا بذلك وإن لم يوجبه بالقول ، فمتى
وجد على هذه الصفة فقد صار هديا لا تجوز استباحته والانتفاع به إلا بأن يذبحه ويتصدق
به . وقد دل أيضا على أن قلائد الهدي يجب أن يتصدق بها لاحتمال اللفظ لها ، وكذلك
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في البدن التي نحر بعضها بمكة وأمر عليا بنحر بعضها ، وقال له :
" تصدق بجلالها وخطمها ولا تعط الجزار منها شيئا فإنا نعطيه من عندنا " . وذلك دليل
على أنه لا يجوز ركوب الهدي ولا حلبه ولا الانتفاع بلبنه ، لأن قوله : ( ولا الهدي ولا
القلائد ) قد تضمن ذلك كله . وقد ذكر الله القلائد في غير هذا الموضع بما دل به على
القربة فيها وتعلق الأحكام بها ، وهو قوله تعالى : ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما
للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ) [ المائدة : 97 ] فلولا ما تعلق بالهدي والقلائد من
الحرمات والحقوق التي هي لله تعالى كتعلقها بالشهر الحرام وبالكعبة لما ضمها إليهما
عند الإخبار عما فيها من المنافع وصلاح الناس وقوامهم . وروى الحكم عن مجاهد قال :
لم تنسخ من المائدة إلا هاتان الآيتان : ( لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي
ولا القلائد ) [ التوبة : 5 ] نسختها : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [ التوبة : 5 ] ،
( فإن جاؤوك فأحكم بينهم ) [ المائدة : 42 ] الآية نسختها : ( وأن احكم بينهم بما أنزل
الله ) [ المائدة : 49 ] . قال أبو بكر : يريد به نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام ونسخ
القلائد التي كانوا يقلدون به أنفسهم وبهائمهم من لحاء شجر الحرم ليأمنوا به ، ولا
يجوز أن يريد نسخ قلائد الهدي لأن ذلك حكم ثابت بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم
والصحابة والتابعين بعدهم .
وروى مالك بن مغول عن عطاء في قوله تعالى : ( ولا القلائد ) قال : كانوا يقلدون
لحاء شجر الحرم يأمنون به إذا خرجوا ، فنزلت : ( لا تحلوا شعائر الله ) قال أبو بكر :
يجوز أن يكون حظر الله انتهاك حرمة من يفعل ذلك على ما كان عليه أهل الجاهلية ، لأن
الناس كانوا مقرين بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه من الأمور التي لا يحظرها
العقل ، إلى أن نسخ الله منها ما شاء فنهى الله عن استحلال حرمة من تقلد بلحاء شجر
أحكام القرآن — صفحة 378
مساهمون: الجصاص
ص٣٧٨