قوله عز وجل : ( إلا ما يتلى عليكم ) روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة
والسدي : ( إلا ما يتلى عليكم ) : " يعني قوله : حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما حرم
في القرآن " . وقال آخرون : " إلا ما يتلى عليكم من أكل الصيد وأنتم حرم " . فكأنه قال
على هذا التأويل : إلا ما يتلى عليكم في نسق هذا الخطاب . قال أبو بكر : يحتمل قوله :
( إلا ما يتلى عليكم ) مما قد حصل تحريمه ، على نحو ما روي عن ابن عباس ، فإذا أريد
به ذلك لم يكن اللفظ مجملا لأن ما قد حصل تحريمه قبل ذلك هو معلوم ، فيكون قوله :
( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) عموما في إباحة جميعها إلا ما خصه الآي التي فيها تحريم
ما حرم منها ، وجعل هذه الإباحة مرتبة على آي الحضر وهو قوله : ( حرمت عليكم الميتة
والدم ) ويحتمل أن يريد بقوله : ( إلا ما يتلى عليكم ) : إلا ما يبين حرمته ، فيكون
مؤذنا بتحريم بعضها علينا في وقت ثان ، فلا يسلب ذلك الآية حكم العموم أيضا .
ويحتمل أن يريد أن بعض بهيمة الأنعام محرم عليكم الآن تحريما يرد بيانه في الثاني ،
فهذا يوجب إجمال قوله تعالى : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) لاستثنائه بعضها ، فهو
مجهول المعنى عندنا ، فيكون اللفظ مشتملا على إباحة وحظر على وجه الاجمال ،
ويكون حكمه موقوفا على البيان . وأولى الأشياء بنا إذا كان في اللفظ احتمال لما وصفنا
من الاجمال والعموم حمله على معنى العموم لإمكان استعماله ، فيكون المستثنى منه ما
ذكر تحريمه في القرآن من الميتة ونحوها . فإن قيل : قوله تعالى : ( إلا ما يتلى عليكم )
يقتضي تلاوة مستقبلة لا تلاوة ماضية ، وما قد حصل تحريمه قبل ذلك فقد تلي علينا
فوجب حمله على تلاوة ترد في الثاني . قيل له : يجوز أن يريد به ما قد تلى علينا ويتلى
في الثاني ، لأن تلاوة القرآن غير مقصورة على حال ماضية دون مستقبلة ، بل علينا تلاوته
في المستقبل كما تلوناه في الماضي ، فتلاوة ما قد نزل قبل ذلك من القرآن ممكنة في
المستقبل ، وتكون حينئذ فائدة هذا الاستثناء إبانة عن بقاء حكم المحرمات قبل ذلك من
بهيمة الأنعام وأنه غير منسوخ ، ولو أطلق اللفظ من غير استثناء مع تقدم نزول تحريم كثير
من بهيمة الأنعام لأوجب ذلك نسخ التحريم وإباحة الجميع منها .
قوله تعالى : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) . قال أبو بكر : فمن الناس من يحمله
على معنى : إلا ما يتلى عليكم من أكل الصيد وأنتم حرم ، فيكون المستثنى بقوله : ( إلا
ما يتلى عليكم ) هو الصيد الذي حرمه على المحرمين . وهذا تأويل يؤدي إلى اسقاط
حكم الاستثناء الثاني ، وهو قوله : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) ويجعله بمنزلة قوله :
إلا ما يتلى عليكم ، وهو تحريم الصيد على المحرم ، وذلك تعسف في التأويل . ويوجب
ذلك أيضا أن يكون الاستثناء من إباحة بهيمة الأنعام مقصورا على الصيد ، وقد علمنا أن
أحكام القرآن — صفحة 375
مساهمون: الجصاص
ص٣٧٥