جنين البقرة : " إنها بهيمة الأنعام " ، وهو كذلك ، لأن البقرة من الأنعام . وإنما قال :
( بهيمة الأنعام ) وإن كانت الأنعام كلها من البهائم ، لأنه بمنزلة قوله : " أحل لكم البهيمة
التي هي الأنعام " فأضاف البهيمة إلى الأنعام وإن كانت هي ، كما تقول : نفس الانسان .
مطلب : كل ما أباحه الله تعالى للمؤمنين فهو مباح لغيرهم
من سائر المكلفين إلا أن يخص بعضهم دليل
ومن الناس من يظن أن هذه الإباحة معقودة بشرط الوفاء بالعقود المذكورة في
الآية ، وليس كذلك ، لأنه لم يجعل الوفاء بالعقود شرطا للإباحة ولا أخرجه مخرج
المجازاة ، ولكنه وجه الخطاب إلينا بلفظ الإيمان في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا
أوفوا بالعقود ) . ولا يوجب ذلك الاقتصار بالإباحة على المؤمنين دون غيرهم ، بل
الإباحة عامة لجيمع المكلفين كفارا كانوا أو مؤمنين ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين
آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة
تعتدونها ) [ الأحزاب : 49 ] وهو حكم عام في المؤمنين والكفار مع ورود اللفظ خاصا
بخطاب المؤمنين . وكذلك كل ما أباحه الله تعالى للمؤمنين فهو مباح لسائر المكلفين ،
كما أن كل ما أوجبه وفرضه فهو فرض على جميع المكلفين إلا أن يخص بعضهم دليل ،
وكذلك قلنا : إن الكفار مستحقون للعقاب على ترك الشرائع كما يستحقون على ترك
الإيمان .
فإن قيل : إذا كان ذبح البهائم محظورا إلا بعد ورود السمع به ، فمن لم يعتقد نبوة
النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكمه في حظره عليه باق على الأصل ، وقائل هذا
القول يقول إن ذبح البهائم محظور على الكفار أهل الكتاب منهم وغيرهم وهم عصاة في
ذبحها ، وإن كان أكل ما ذبحه أهل الكتاب مباحا لنا . وزعم هذا القائل أن للملحد أن
يأكل بعد الذبح وليس له أن يذبح . وليس هذا عند سائر أهل العلم كذلك ، لأنه لو كان
أهل الكتاب عصاة بذبحهم لأجل دياناتهم لوجب أن تكون ذبائحهم غير مذكاة ، مثل
المجوسي لما كان ممنوعا من الذبح لأجل اعتقاده لم يكن ذبح ذكاة ، وفي ذلك دليل
على أن الكتابي غير عاص في ذبح البهائم وأنه مباح له كهو لنا . وأما قوله : " إنه إذا لم
يعتقد صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكم حظر الذبح قائم عليه " فليس
كذلك ، لأن اليهود والنصارى قد قامت عليهم حجة السمع بكتب الأنبياء المتقدمين في
إباحة ذبح البهائم . وأيضا فإن ذلك لا يمنع صحة ذكاته ، لأن رجلا لو ترك التسمية على
الذبيحة عامدا لكان عندنا عاصيا بذلك ، وكان لمن يعتقد جواز ترك التسمية عليها أن
يأكلها ، ولم يكن كون الذابح عاصيا مانعا صحة ذكاته .
أحكام القرآن — صفحة 374
مساهمون: الجصاص
ص٣٧٤