ما يتناوله اسم العقود ، فمتى اختلفنا في جواز عقد أو فساده وفي صحة نذر ولزومه صح
الاحتجاج بقوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) لاقتضاء عمومه جواز جميعها من الكفالات
والإجازات والبيوع وغيرها . ويجوز الاحتجاج به في جواز الكفالة بالنفس وبالمال وجواز
تعلقها على الأخطار ، لأن الآية لم تفرق بين شئ منها . وقوله صلى الله عليه وسلم : " والمسلمون عند
شروطهم " في معنى قول الله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) وهو عموم في إيجاب الوفاء بجميع
ما يشرط الانسان على نفسه ما لم تقم دلالة تخصصه .
مطلب : النذر على ثلاثة أنحاء
فإن قيل : هل يجب على كل من عقد على نفسه يمينا أو نذرا أو شرطا لغيره الوفاء
بشرطه ويكون عقده لذلك على نفسه يلزمه ما شرطه وأوجبه ؟ قيل له : أما النذور فهي
على ثلاثة أنحاء : منها نذر قربة ، فيصير واجبا بنذره بعد أن كان فعله قربة غير واجب ،
لقوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) ، وقوله تعالى : ( أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) [ النحل :
91 ] وقوله تعالى : ( يوفون بالنذر ) [ الانسان : 7 ] ، وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لم
تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ) [ الصف : 3 ] ، وقوله
تعالى : ( ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما
أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ) [ التوبة : 75 و 76 ] فذمهم على ترك
الوفاء بالمنذور نفسه ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب : " أوف بنذرك " حين نذر أن
يعتكف يوما في الجاهلية ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " من نذر نذرا سماه فعليه أن يفي به ، ومن نذر
نذرا ولم يسمه فعليه كفارة يمين " ، فهذا حكم ما كان قربة من المنذور في لزوم الوفاء
به بعينه . وقسم آخر : وهو ما كان مباحا غير قربة ، فمتى نذره لا يصير واجبا ولا يلزمه
فعله ، فإذا أراد به يمينا فعليه كفارة يمين إذا لم يفعله ، مثل قوله : " لله علي أن أكلم زيدا
وأدخل هذه الدار وأمشي إلى السوق " فهذه أمور مباحة لا تلزم بالنذر ، لأن ما ليس له
أصل في القرب لا يصير قربة بالإيجاب ، كما أن ما ليس له أصل في الوجوب لا يصير
واجبا بالنذر ، فإن أراد به اليمين كان يمينا وعليه الكفارة إذا حنث . والقسم الثالث : نذر
المعصية ، نحو أن يقول : " لله علي أن أقتل فلانا أو أشرب الخمر أو أغصب فلانا ماله " ،
فهذه أمور هي معاص لله تعالى لا يجوز له الإقدام عليها لأجل النذر وهي باقية على ما
كانت عليه من الحضر ، وهذا يدل على ما ذكرنا في إيجاب ما ليس بقربة من المباحات
أحكام القرآن — صفحة 372
مساهمون: الجصاص
ص٣٧٢