وقوله : ( أن تميلوا ميلا عظيما ) يعني به العدول عن الاستقامة بالاستكثار من
المعصية ، وتكون إرادتهم للميل على أحد وجهين : إما لعداوتهم ، أو للأنس بهم
والسكون إليهم في الإقامة على المعصية ، فأخبر الله تعالى أن إرادته لنا خلاف إرادة
هؤلاء . وقد دلت الآية على أن القصد في اتباع الشهوة مذموم ، إلا أن يوافق الحق فيكون
حينئذ غير مذموم في اتباع شهوته ، إذ كان قصده اتباع الحق . ولكن من كان هذا سبيله لا
يطلق عليه أنه متبع لشهوته ، لأن مقصده فيه اتباع الحق وافق شهوته أو خالفها .
قوله تعالى : ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا ) . التخفيف هو
تسهيل التكليف وهو خلاف التثقيل ، وهو نظير قوله تعالى : ( ويضع عنهم إصرهم
والأغلال التي كانت عليهم ) [ الأعراف : 157 ] ، وقوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا
يريد بكم العسر ) [ البقرة : 185 ] ، وقوله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج )
[ الحج : 78 ] ، وقوله تعالى : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم )
[ المائدة : 6 ] ، فنفى الضيق والثقل والحرج عنا في هذه الآيات . ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم :
" جئتكم بالحنيفة السمحة " ، وذلك لأنه وإن حرم علينا ما ذكرنا تحريمه من النساء فقد
أباح لنا غيرهن من سائر النساء تارة بنكاح وتارة بملك يمين ، وكذلك سائر المحرمات قد
أباح لنا من جنسها أضعاف ما حظر فجعل لنا مندوحة عن الحرام بما أباح من الحلال .
مطلب : في المعنى المراد من قول ابن مسعود :
إن الله لم يجعل شفاء كم فيما حرم عليكم
وعلى هذا المعنى ما روي عن عبد الله بن مسعود : " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما
حرم عليكم " يعني أنه لم يقتصر بالشفاء على المحرمات بل جعل لنا مندوحة وغنى عن
المحرمات بما أباحه لنا من الأغذية والأدوية حتى لا يضرنا فقد ما حرم في أمور دنيانا .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما .
وهذه الآيات يحتج بها في المصير إلى التخفيف فيما اختلف فيه الفقهاء وسوغوا
فيه الاجتهاد ، وفيه الدلالة على بطلان مذهب المجبرة في قولهم إن الله يكلف العباد ما لا
يطيقون ، لإخباره بأنه يريد التخفيف عنا ، وتكليف ما لا يطاق غاية التثقيل ، والله أعلم
بمعاني كتابه .
باب التجارات وخيار البيع
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون
تجارة عن تراض منكم ) . قال أبو بكر : قد انتظم هذا العموم النهي عن أكل مال الغير
أحكام القرآن — صفحة 215
مساهمون: الجصاص
ص٢١٥