عمر وابن مسعود والشعبي وإبراهيم : " بالفتح ، قالوا : معناه أسلمن ، وقال
الحسن : " يحصنها الزوج ويحصنها الاسلام " .
واختلف السلف في حد الأمة متى يجب ، فقال من تأول قوله ( فإذا أحصن )
بالضم على التزويج : " إن الأمة لا يجب عليها الحد وإن أسلمت ما لم تتزوج " ، وهو
مذهب ابن عباس والقائلين بقوله . ومن تأول قوله : ( فإذا أحصن ) بالفتح على الاسلام ،
جعل عليها الحد إذا أسلمت وزنت وإن لم تتزوج ، وهو قول ابن مسعود والقائلين بقوله :
وقال بعضهم : تأويل من تأوله على أسلمن بعيد ، لأن ذكر الإيمان قد تقدم لهن بقوله :
( من فتياتكم المؤمنات ) قال : فيبعد أن يقال : " من فتياتكم المؤمنات فإذا آمن " . وليس
هذا كما ظن ، لأن قوله : ( من فتياتكم المؤمنات ) إنما هو في شأن النكاح ، وقد استأنف
ذكر حكم آخر غيره وهو الحد ، فجاز استيناف ذكر الاسلام ، فيكون تقديره : " فإذا كن
مسلمات فأتين بفاحشة فعليهن " هذا لا يدفعه أحد ، ولو كان ذلك غير سائغ لما تأوله
عمر وابن مسعود والجماعة الذين ذكرنا قولهم عليه . وليس يمتنع أن يكون الأمران جميعا
من الاسلام والنكاح مرادين باللفظ ، لاحتماله لهما وتأويل السلف الآية عليهما .
وليس الاسلام والتزويج شرطا في إيجاب الحد عليها حتى إذا لم تحصن لم
يجب ، لما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عبد الله بن مسلمة عن
مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد
الجهني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ، قال : " إن زنت
فاجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فبيعوها ولو
بضفير " ، والضفير الحبل . وفي حديث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال في كل مرة : " فليقم عليها كتاب الله تعالى " فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب
الحد عليها مع عدم الإحصان .
فإن قيل : فما فائدة شرط الله الإحصان في قوله : ( فإذا أحصن ) وهي محدودة في
حال الإحصان وعدمه ؟ قيل له : لما كانت الحرة لا يجب عليها الرجم إلا أن تكون مسلمة
متزوجة ، أخبر الله تعالى أنهن وإن أحصن بالإسلام وبالتزويج فليس عليهن أكثر من نصف
حد الحرة ، ولولا ذلك لكان يجوز أن يتوهم افتراق حالها في حكم وجود الإحصان
وعدمه ، فإذا كانت محصنة يكون عليها الرجم وإذا كانت غير محصنة فنصف الحد ،
فأزال الله تعالى توهم من يظن ذلك وأخبر أنه ليس عليها إلا نصف الحد في جميع
الأحوال ، فهذه فائدة شرط الإحصان عند ذكر حدها . ولما أوجب عليها نصف حد الحرة
مع الإحصان علمنا أنه أراد الجلد ، إذ الرجم لا يتنصف ، وقوله تعالى : ( فعليهن نصف
أحكام القرآن — صفحة 212
مساهمون: الجصاص
ص٢١٢