بالباطل وأكل مال نفسه بالباطل ، وذلك لان قوله تعالى : ( أموالكم ) يقع على مال الغير
ومال نفسه ، كقوله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) قد اقتضى النهي عن قتل غيره وقتل
نفسه ، فكذلك قوله تعالى : ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) نهي لكل أحد عن أكل
مال نفسه ومال غيره بالباطل . وأكل مال نفسه بالباطل إنفاقه في معاصي الله ، وأكل مال
الغير بالباطل قد قيل فيه وجهان ، أحدهما : ما قال السدي وهو أن يأكل بالربا والقمار
والبخس والظلم ، وقال ابن عباس والحسن : أن يأكله بغير عوض ، فلما نزلت هذه الآية
كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس إلى أن نسخ ذلك بالآية التي في النور :
( ليس على الأعمى حرج ) [ الفتح : 17 ] إلى قوله تعالى : ( ولا على أنفسكم أن تأكلوا
من بيوتكم ) [ النور : 61 ] الآية . قال أبو بكر : يشبه أن يكون مراد ابن عباس والحسن أن
الناس تحرجوا بعد نزول الآية أن يأكلوا عند أحد لا على أن الآية أوجبت ذلك ، لأن
الهبات والصدقات لم تكن محظورة قط بهذه الآية ، وكذلك الأكل عند غيره اللهم إلا أن
يكون المراد الأكل عند غيره بغير إذنه ، فهذا لعمري قد تناولته الآية . وقد روى الشعبي
عن علقمة عن عبد الله قال : " هي محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة " . وروى
الربيع عن الحسن قال : " ما نسخها شئ من القرآن " .
ونظير ما اقتضته الآية من النهي عن أكل مال الغير قوله تعالى : ( ولا تأكلوا
أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ) [ البقرة : 188 ] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا
يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " . وعلى أن النهي عن أكل مال الغير معقود
بصفة ، وهو أن يأكله بالباطل ، وقد تضمن ذلك أكل أبدال العقود الفاسدة كأثمان
البياعات الفاسدة ، وكمن اشترى شيئا من المأكول فوجده فاسدا لا ينتفع به نحو البيض
والجوز ، فيكون أكل ثمنه أكل مال بالباطل ، وكذلك ثمن كل ما لا قيمة له ولا ينتفع به
كالقرد والخنزير والذباب والزنابير وسائر ما لا منفعة فيه ، فالانتفاع بأثمان جميع ذلك
أكل مال بالباطل ، وكذلك أجرة النائحة والمغنية ، وكذلك ثمن الميتة والخمر والخنزير .
وهذا يدل على أن من باع بيعا فاسدا وأخذ ثمنه أنه منهي عن أكل ثمنه وعليه رده إلى
مشتريه ، وكذلك قال أصحابنا إنه إذا تصرف فيه فربح فيه وقد كان عقد عليه بعينة
وقبضه أن عليه أن يتصدق به ، لأنه ربح حصل له من وجه محظور ، وقوله تعالى : ( لا
تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) منتظم لهذه المعاني كلها ونظائرها من العقود المحرمة .
فإن قيل : هل اقتضى ظاهر الآية تحريم أكل الهبات والصدقات والإباحة للمال من
أحكام القرآن — صفحة 216
مساهمون: الجصاص
ص٢١٦