واختلف أهل العلم في لفظ البيع كيف هو ، قال أصحابنا : " إذا قال الرجل بعني
عبدك هذا بألف درهم فقال قد بعتك لم يقع البيع حتى يقبل الأول " ولا يصح عندهم
إيجاب البيع ولا قبوله إلا بلفظ الماضي ، ولا يقع بلفظ الاستقبال لأن قوله " بعني " إنما
هو سوم وأمر بالبيع وليس بإيقاع للعقد ، والأمر بالبيع ليس ببيع . وكذلك قوله : " أشتري
منك " ليس بشرى وإنما هو إخبار بأنه يشتريه ، لأن الألف للاستقبال . وكذلك قول البائع
" إشتر مني " وقوله : " أبيعك " ليس ذلك بلفظ العقد ، وإنما هو إخبار بأنه سيعقد أو أمر
به . وقالوا في النكاح : " القياس أن يكون مثله " ، إلا أنهم استحسنوا فقالوا : إذا قال :
" زوجني بنتك " فقال : " قد زوجتك " أنه يكون نكاحا ولا يحتاج الزوج بعد ذلك إلى
قبول ، لحديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها ،
فقال له رجل : زوجنيها ! فراجعه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يعطيها ، إلى أن قال له : " زوجتكها بما
معك من القرآن " فجعل النبي صلى الله عليه وسلم قوله : " زوجنيها " مع قوله : " زوجتكها " عقدا واقعا ،
ولأخبار أخر قد رويت في ذلك ، ولأنه ليس المقصد في النكاح الدخول فيه على وجه
المساومة ، والعادة في مثله أنهم لا يفرقون فيه بين قوله : " زوجني " وبين قوله : " قد
زوجتك " فلما جرت العادة في النكاح بما وصفنا كان قوله : " قد تزوجتك " وقوله :
" زوجيني نفسك " سواء .
ولما كانت العادة في البيع دخولهم فيه على وجه السوم بديا كان ذلك سوما ولم
يكن عقدا ، فحملوه على القياس . وقد قال أصحابنا فيما جرت به العادة بأنهم يريدون به
إيجاب التمليك وإيقاع العقد إنه يقع به العقد ، وهو أن يساومه على شئ ثم يزن له
الدراهم ويأخذ المبيع ، فجعلوا ذلك عقدا لوقوع تراضيهما به وتسليم كل واحد منهما إلى
صاحبه ما طالبه منه ، وذلك لأن جريان العادة بالشئ كالنطق به ، إذ كان المقصد من
القول الإخبار عن الضمير والاعتقاد فإذا علم ذلك بالعادة مع التسليم للمعقود عليه أجروا
ذلك مجرى العقد ، وكما يهدي الانسان لغيره فيقبضه فيكون قبولا للهبة ، ونحر النبي صلى الله عليه وسلم
بدنات ثم قال : " من شاء فليقتطع " فقام الاقتطاع في ذلك مقام القبول للهبة في إيجاب
التمليك . فهذه الوجوه التي ذكرناها هي طرق التراضي المشروط في قوله : ( إلا أن تكون
تجارة عن تراض منكم ) .
وقال مالك بن أنس : إذا قال : " بعني هذا بكذا " فقال : " قد بعتك " فقد تم البيع .
وقال الشافعي : لا يصح النكاح حتى يقول : " قد زوجتكها " ويقول الآخر : " قد قبلت
تزويجها " أو يقول الخاطب : " زوجنيها " ويقول الولي : " قد زوجتكها " فلا يحتاج في هذا
إلى قول الزوج قد قبلت .
أحكام القرآن — صفحة 218
مساهمون: الجصاص
ص٢١٨