صاحبه ؟ قيل له : كل ما أباحه الله تعالى من العقود وأطلقه من جواز أكل مال الغير
بإباحته إياه فخارج عن حكم الآية ، لأن الحضر في أكل المال مقيد بشريطة وهي أن يكون
أكل مال بالباطل ، وما أباحه الله تعالى وأحله فليس بباطل بل هو حق ، فنحتاج أن ننظر
إلى السبب الذي يستبيح أكل هذا المال ، فإن كان مباحا فليس بباطل ولم تتناوله الآية ،
وإن كان محظورا فقد اقتضته الآية .
وأما قوله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) اقتضى إباحة سائر
التجارات الواقعة عن تراض . والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها
طلب الأرباح ، قال الله تعالى : ( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون
بالله ورسوله ) [ الصف : 10 و 11 ] فسمى الإيمان تجارة على وجه المجاز تشبيها
بالتجارات المقصود بها الأرباح . وقال تعالى : ( يرجون تجارة لن تبور [ فاطر : 29 ] .
كما سمى بذل النفوس لجهاد أعداء الله تعالى شرى ، قال الله تعالى : ( إن الله اشترى من
المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ) [ التوبة : 111 ] فسمى
بذل النفوس شراء على وجه المجاز . وقال الله تعالى : ( لقد علموا لمن اشتراه ما له في
الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) [ البقرة : 102 ] فسمى
ذلك بيعا وشراء على وجه المجاز تشبيها بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها
الأعواض . كذلك سمى الإيمان بالله تعالى تجارة لما استحق به من الثواب الجزيل
والأبدال الجسيمة ، فتدخل في قوله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) عقود
البياعات والإجارات والهبات المشروطة فيها الأعواض ، لأن المبتغى في جميع ذلك في
عادات الناس تحصيل الأعواض لا غير .
ولا يسمى النكاح تجارة في العرف والعادة ، إذ ليس المبتغى منه في الأكثر الأعم
تحصيل العوض الذي هو مهر ، وإنما المبتغى فيه أحوال الزوج من الصلاح والعقل
والدين والشرف والجاه ونحو ذلك ، فلم يسم تجارة لهذا المعنى ، وكذلك الخلع والعتق
على مال ليس يكاد يسمى شئ من ذلك تجارة . ولما ذكرنا من اختصاص اسم التجارة
بما وصفنا ، قال أبو حنيفة ومحمد : " إن المأذون له في التجارة لا يزوج أمته ولا عبده ولا
يكاتب ولا يعتق على مال ولا يتزوج هو أيضا وإن كانت أمة لا تزوج نفسها ، لأن تصرفه
مقصور على التجارة وليست هذه العقود من التجارة " ، وقالوا : " إنه يؤاجر نفسه وعبيده
وما في يده من أموال التجارة ، إذ كانت الإجارة من التجارة " ، وكذلك قالوا في
المضارب وشريك العنان ، لأن تصرفهما مقصور على التجارة دون غيرها . ولم يختلف
الناس أن البيوع من التجارات .
أحكام القرآن — صفحة 217
مساهمون: الجصاص
ص٢١٧