ما على المحصنات من العذاب ) أراد به الإحصان من جهة الحرية لا الإحصان الموجب
للرجم ، لأنه لو أراد ذلك لم يصح أن يقال عليها نصف الرجم لأنه لا يتبعض .
مطلب : إذا علقت الاحكام بمعان فحيث وجدت فالحكم ثابت
وخص الله الأمة بإيجاب نصف حد الحرة عليها إذا زنت ، وعقلت الأمة من ذلك
أن العبد بمثابتها ، إذ كان المعنى الموجب لنقصان الحد معقولا من الظاهر وهو الرق وهو
موجود في العبد . وكذلك قوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ) [ النور : 4 ] خص
المحصنات بالذكر وعقلت الأمة حكم المحصنين أيضا في هذه الآية إذا قذفوا ، إذ كان
المعنى في المحصنة العفة والحرية والإسلام ، فحكموا للرجل بحكم النساء بالمعنى .
وهذا يدل على أن الأحكام إذا عقلت بمعان فحيثما وجدت فالحكم ثابت حتى تقوم
الدلالة على الاقتصار على بعض المواضع دون بعض .
فصل
قوله تعالى : ( فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن ) يدل على جواز عطف
الواجب على الندب ، لأن النكاح ندب ليس بفرض ، وإيتاء المهر واجب ، ونحوه قوله
تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) [ النساء : 3 ] ثم قال : ( وآتوا النساء
صدقاتهن نحلة ) [ النساء : 4 ] . ويصح عطف الندب على الواجب أيضا كقوله تعالى :
( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ) [ النحل : 90 ] فالعدل واجب
والإحسان ندب .
وقوله تعالى : ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) قال ابن عباس وسعيد بن جبير
والضحاك وعطية العوفي : " هو الزنا " . وقال آخرون : هو الضرر الشديد في دين أو دنيا ،
من قوله تعالى : ( ودوا ما عنتم ) [ آل عمران : 118 ] . وقوله : ( لمن خشي العنت
منكم ) راجع إلى قوله : ( فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) ، وهذا شرط
إلى المندوب إليه من ترك نكاح الأمة والاقتصار على تزوج الحرة لئلا يكون ولده عبدا
لغيره ، فإذا خشي العنت ولم يأمن مواقعة المحظور فهو مباح لا كراهة فيه لا في الفعل
ولا في الترك . ثم عقب ذلك بقوله تعالى : ( وأن تصبروا خير لكم ) فأبان عن موضع
الندب ، والاختيار هو ترك نكاح الأمة رأسا ، فكانت دلالة الآية مقتضية لكراهية نكاح
الأمة إذا لم يخش العنت ، ومتى خشي العنت فالنكاح مباح إذا لم تكن تحته حرة .
والاختيار أن يتركه رأسا وإن خشي العنت ، لقوله : ( وأن تصبروا خير لكم ) . وإنما ندب
الله تعالى إلى ترك نكاح الأمة رأسا مع خوف العنت لأن الولد المولود على فراش النكاح
أحكام القرآن — صفحة 213
مساهمون: الجصاص
ص٢١٣