تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعلقات على العروة الوثقى — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
« ومنها » : استحباب نيّة العود إلى الحجّ عند الخروج من مكّة ، وكراهة نيّة عدم العود ، فعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم من رجع من مكّة وهو ينوي الحجّ من قابل زيد في عمره ، ومن خرج من مكّة ولا يريد العود إليها فقد اقترب أجله ودنا عذابه وعن الصادق عليه السّلام مثله مستفيضا ، وقال لعيسى ابن أبي منصور : يا عيسى إنّي احبّ أن يراك اللّه فيما بين الحجّ إلى الحجّ وأنت تتهيّأ للحجّ . « ومنها » : أن لا يخرج من الحرمين الشريفين بعد ارتفاع النهار إلّا بعد أداء الفرضين بهما . « ومنها » : البدءة بزيارة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم لمن حجّ على طريق العراق . « ومنها » : أن لا يحجّ ولا يعتمر على الإبل الجلّالة ، ولكن لا يبعد اختصاص الكراهة بأداء المناسك عليها ، ولا يسري إلى ما يسار عليها من البلاد البعيدة في الطريق ، ومن أهمّ ما ينبغي رعايته في هذا السفر احتسابه من سفر آخرته بالمحافظة على تصحيح النيّة ، وإخلاص السريرة ، وأداء حقيقة القربة ، والتجنّب عن الرياء والتجرّد عن حبّ المدح والثناء ، وأن لا يجعل سفره هذا على ما عليه كثير من مترفي عصرنا من جعله وسيلة للرفعة والافتخار ، بل وصلة إلى التجارة والانتشار ومشاهدة البلدان وتصفّح الأمصار ، وأن يراعي أسراره الخفيّة ودقائقه الجليّة كما يفصح عن ذلك ما أشار إليه بعض الأعلام : انّ اللّه تعالى سنّ الحجّ ووضعه على عباده إظهارا لجلاله وكبريائه ، وعلوّ شأنه وعظم سلطانه ، وإعلانا لرقّ الناس وعبوديّتهم وذلّهم واستكانتهم ، وقد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم ، والمرك لمماليكهم ، يستذلّونهم بالوقوف على باب بعد باب واللبث في حجاب بعد حجاب ، وإنّ اللّه تعالى قد شرّف البيت الحرام وأضافه إلى نفسه ، واصطفاه لقدسه ، وجعله قياما للعباد ، ومقصدا يؤمّ من جميع البلاد ، وجعل ما حوله حرما ، وجعل الحرم آمنا ، وجعل فيه ميدانا ومجالا وجعل له في الحلّ شبيها ومثالا ، فوضعه على مثال حضرة الملوك والسلاطين ، ثمّ أذّن في الناس بالحجّ ليأتوه رجالا وركبانا من كلّ فجّ ، وأمرهم بالإحرام وتغيير الهيئة واللباس شعثا غبرا متواضعين مستكينين ، رافعين أصواتهم بالتلبية ، وإجابة الدعوة ، حتّى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول ، وأوقفهم في حجبه يدعونه ويتضرّعون إليه حتّى إذا طال تضرّعهم واستكانتهم ورجموا شياطينهم بجمارهم ، وخلعوا طاعة الشيطان من رقابهم أذن لهم بتقريب قربانهم وقضاء تفثهم ، وليطهروا من الذنوب الّتي كانت هي الحجاب بينهم وبينه ، وليزوروا البيت على طهارة منهم ، ثمّ يعيدهم فيه بما يظهر معه كمال الرقّ وكنه العبوديّة ، فجعلهم تارة يطوفون فيه ، ويتعلّقون بأستاره ، ويلوذون بأركانه ، وأخرى يسعون بين يديه مشيا وعدوا ، ليتبيّن لهم عزّ الربوبيّة ، وذلّ العبوديّة ، وليعرفوا أنفسهم ، ويضع الكبر من رؤسهم ، ويجعل نير الخضوع في أعناقهم ، ويستشعروا شعار المذلّة ، وينزعوا ملابس الفخر والعزّة ، وهذا من أعظم فوائد الحجّ ، مضافا إلى ما فيه من التذكّر بالإحرام والوقوف في المشاعر العظام لأحوال المحشر ، وأهوال يوم القيامة ، إذ الحجّ هو الحشر الأصغر ، وإحرام الناس وتلبيتهم وحشرهم إلى المواقف ووقوفهم بها والهين متضرّعين راجعين إلى الفلاح أو الخيبة والشقاء أشبه شيء بخروج الناس من أجداثهم ،