النّجف الأشرف ومفارقتي لها طوال هذه المدّة ، فاعتذرت إليه بضرورة المفارقة ، فكأنّه - طاب ثراه - لا يرى معذوريتي .
وبالجملة ، حيث انتهت مهمّتي في لوائَي العمارة والبصرة ورجعت إلى وطني فما بارحت هذا الصّديق وكنت أزوره في أكثر الأحيان ؛ تارةً في داره واخرى في مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام التي أسّسها ، فأجده مكبّاً على المطالعة والكتابة وتكميل موسوعته الغدير وتهيئة المصادر التي يستقي منها ، لا يفتر ولا يملّ ليلًا ونهاراً ، وفي خلال ذلك العمل الشاقّ يلاقي زائريه من مختلف الطبقات والأساتذة المسلمين و غير المسلمين بكلّ تجلّةٍ و احترام ورحابة صدر وخلقٍ جميل ، فيطلعهم على المكتبة العامرة ويلقي عليهم محاضراتٍ علميّة أدبيّة ، ويرشدهم إلى واجباتهم نحو الدِّين الإسلامي وضرورة التمسّك به ، فيغادرون المكتبة وملؤهم إعجاب وإكبار لهذا البطل العظيم .
أتخطّر أنّ في بعض الأحيان زاره جماعةٌ من الأساتذة في داره يعودونه لمرضٍ ألمَّ به ، وكنت قد سبقتهم إلى عيادته ، وطلبوا منه أن يكشف لهم حقيقة ( الولاية ) ، فجلس كالأسد الرّابض وألقى عليهم محاضرةً قيّمةً في معنى الولاية للنبيّ وآله عليهم السلام بما أبهرَ عقولهم ، واتّفق خروجي معهم فوجدتهم يطرون هذا البطل بملألسنتهم ويعجبون من سِعَة اطّلاعه لما كشف لهم عن حقيقة الولاية ومغزاها .
وهكذا كان - طاب ثراه - مع كلّ زائرٍ يزوره ، وهكذا كان مع كلّ سائلٍ يسأله من غوامض المسائل التي يوجّهها إليه ، فيجيب عنها بكلّ وضوحٍ وبيان ، وكنت في بعض الأحيان حاضراً معهم وأسمع ما يجيب فيزداد إكباري له .
كان - طاب ثراه - كثيراً ما يرتاد مكتبتي الخاصّة في مدرسة القوام التي كنت سكنتها مدّة عشرين سنة تقريباً ، وفيها بعض الكتب المخطوطة التي ترجع إلى عهدٍ قديم من التاريخ ، وفيها بعض المخطوطات التي نسختها بخطّي عن النّسخ القديمة لبعض الأعلام ، وفيها من المطبوعات المتنوّعة ، واتّفق أن زار المكتبة في نهار شهر رمضان و هو صائم وكان الحرّ شديداً إذ صادف شهر تمّوز وحَرّ النّجف لا يوصَف لشدّته ، و لم تكن المراوح الكهربائيّة آنئذٍ معروفة ، فقلّب الكتب وقيّد وسجَّل والحَرّ يسيل من جميع جوانبه و هو لا يكترث حتّى إذا حلّ وقت الزّوال فارقتَه و هو
امين شريعت : ويژه نامه همايش رونمايي از كتاب المقاصد العلية في المطالب السنية ( فارسى ) — صفحة 86
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٨٦