والمارد الممسوخ كم لذعتك من * كفّيه أظفارٌ كأن خلقت مدى
قد وَدَّ لو سَدَّ الفضا وأراك من * ظلماته قِطعاً وليلًا أسودا
ويداك يحتضنان كلّ فضيلةٍ * لحياته مذ حادَ عنك وندّدا
وغرست جنّتك التي قد أنبتت * في الأرض سبع سنابلٍ كي يحصدا
وقتلتَ نفساً لو جرى نَفَس الضّحى * من فوقها لمشى الهوينا واهتدى
لا غروَ إنّ الشَّمع يقتل نفسه * طمعاً لأن يحيا سواه ويخلدا
تعرّفت بالحجّة الأميني طاب ثراه - منذ أربعين سنةً أو أكثر ، وكأنّها أحلامٌ مرّت علينا ونحن غافلون ، لم يبق منها إلّا التاريخ والذكريات تسجّلها الأنامل وتقيّد في السِّجل وتحرّر في القرطاس ، فيبقى أثرها عَبر القرون والأجيال لتكون عِبرَةً للمعتبِر ، وعِظةً للمتبصّر ، وتنبيهاً للغافل .
تعرّفت به يوم كان يحرّر بقلمه السيّال الجزء الأوّل من كتاب الغدير ، فدخلت داره يوماً أنا وزميلي العلّامة الكبير الحجّة الشَّيخ محمّد علي الأوردبادي الغروي طاب ثراه ، فوجدناه مكبّاً على التأليف ، يراجع الكتب المبعثرة بين يديه ويوشّح كتابه بما يلتقطه منها ، لا يكلّ ولا يملّ ، وكان يقرأ علينا ما يمليه ، فربما نخالفه في تنسيق بعض الجمَل ، وربما نوافقه ، فيرمقنا بعينيه الجذّابتين وملؤهما الحنان ، وربما انصاع إلى رأينا فيغيّر الجملة إلى غيرها ، فكأنّه لا يريد الاستبداد بالرّأي شأن كلّ طالبٍ للحقيقة ، وشأن كلّ منصفٍ معترفٍ بالواقع ( وقليلٌ هم ) .
وهكذا كان شيخنا الأميني طاب ثراه ، استمرّ في تنسيق الجزء الأوّل من الكتاب طوال اللّيل والنّهار ، ونحن نزوره الفينة بعد الفينة واليوم بعد اليوم فنراه مكبّاً على عمله ، فيقرأ علينا ما نمّقه يراعه السيّال وبيانه الجذّاب حتّى برع في الكتابة كأنّه كاتبٌ عربيٌّ صميم ، ثمّ استمرّ في تأليف الكتاب طوال سنين عديدة وأنتج هذه الموسوعة البديعة التي طبع منها في حياته أحد عشر جزءً وباقي الأجزاء لا تزال مخطوطة ، وذلك فضل اللّه يؤتيه مَن يشاء من عباده .
شاءت المقادير والظّروف الخاصّة أن أبارح النّجف الأشرف فأفارق هذا الصّديق الحميم طوال ثلاث عشرة سنة قضيتها في لواء العمارة ولواء البصرة لأسبابٍ مشروعة ثمّ أعود إلى الوطن فأجمع مع الصّديق ، ومذ رآني عانقني وعانقته شأن الحبيبين المتفارقين إذا التقيا فينظر إليَّ بعينيه الجذّابتين و قد ملئ قلبه بهجةً وسروراً ، وخاطبني بلسان المحبّة وأبدى أسفه لمغادرتي