نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبرئيل إيّاه على ذلك ، وإعلامه عند نزول كلّ آية : أنّ هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا . انتهى .
على أنّ طبع الحال يستدعي أن يكون تهيّبه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من اليهود والنصارى في أوليات البعثة ، وعلى فرض التنازل بعد الهجرة بيسير ، لا في أخريات أيّامه التي كان يهدّد فيها دول العالم ، وتهابه الأمم ، وقد فتح خيبر ، واستأصل شأفة بني قريضة والنضير ، وعنت له الوجوه ، وخضعت له الرقاب طوعا وكرها ، وفيها كانت حجّة الوداع التي نزلت فيها الآية ، كما عرفت ذلك من الأحاديث السابقة ، ويعلمنا القرطبي في تفسيره « 1 » بالإجماع على أنّ سورة المائدة مدنيّة ثمّ نقل عن النقّاش نزولها في عام الحديبيّة سنة ( 6 ) ، فأتبعه بالنقل عن ابن العربي : بأنّ هذا حديث موضوع لا يحلّ لمسلم اعتقاده . . . إلى أن قال :
ومن هذه السورة ما نزل في حجّة الوداع ، ومنها ما نزل عام الفتح ، وهو قوله تعالى :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ . . .
« 2 » الآية . وكلّ ما نزل بعد هجرة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فهو مدني ، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار ، إنّما يرسم بالمكّي ما نزل قبل الهجرة .
وقال الخازن في تفسيره « 3 » : سورة المائدة نزلت بالمدينة إلّا قوله
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن : 6 / 22 .
( 2 ) المائدة : 2 .
( 3 ) تفسير الخازن : 1 / 429 .