تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
وليس بعجبٍ أنّ الكلّ فيه ، وأنّه جامع الكلّ ، وهو بمنزلة إمامٍ يجتمع عنده الخلائق من البسائط والمركّبات والكائنات العنصريّة والآثار السماويّة ، وكتابٍ جامعٍ لآيات ربّه القدّوس ، وسجّلٍ مطويٍّ فيه حقايق العقول والنفوس ، وكلمةٍ كاملةٍ مملوّةٍ من فنون العلوم ، ونسخةٍ مكتوبةٍ من مثل كن فيكون ، لكونه مظهرَ اسمِ اللّه الأعظم الجامع للأسماء الحسنى الإلهيّة . بل العجب أنّ الكلّ خلِقَ لأجله ! والكلّ خادمٌ له وهو مخدوم الكلّ ! والسماوات والأرض مطويّاتٌ بيمينه وكلّها مسخّراتٌ له ومعلولٌ بوجوده ! والكلّ ساجدٌ له وهو مسجود الكلّ ! مظهرٌ للذّات المقدّسة الجامعة للصفات الحسنة الكماليّة المنزّهة عن جميع المثالب والعيوب . [

حصيلة الكلام

] فتحصّل أنّ أشرف الأسماء اللفظيّة الإلهيّة وجامعها هو لفظ الجلالة ، وأشرف المظاهر وأعظمها وجامعها هو الإنسان الكامل . وهذا الجامع المظهري مظهرٌ لذلك الجامع الإسمي [ الأسمى ] وسِمَةٌ له ، وهو صورته الخارجيّة التي يظهِر حقيقته ويبرِزها في عالم الشهود ، وهو مخلوقٌ على صورة الجامع ، كما أنّ ساير المظاهر الجزئيّة لساير الأسماء الإلهية صورٌ خارجيّةٌ مظهرةٌ حقايقها ، والأسماء الظاهرة في كلّ موجودٍ هي أصله وحقيقته وما به قوامه ؛ ومظهر كلّ اسمٍ صورةٌ له مبرزٌ حقيقته ومخلوقٌ على صورة الاسم الظاهر فيه ؛ وهذا حقيقة معنى قوله صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ اللّه خلق آدم على صورته ( أو ) على صورة الرحمن » ! « 1 »
هامش
( 1 ) . رواه الصدوق في التوحيد : 152 - 153 ، وفي عيون أخبار الرضا : 2 / 110 ، وابن شاذان في الإيضاح : 20 . والحديث في مجاميع أهل السنّة رواه البخاري : 7 / 125 ، ومسلم : 8 / 32 ، وأحمد بن حنبل في مسنده : 2 / 244 و 251 كلّهم عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله ، ورواه الطبراني في الكبير والخطيب عن ابن عمر كما في كنز العمال : 1 / 227 . قال النووي في شرح مسلم : أمّا قوله صلى اللّه عليه وسلم فإن اللّه خلق آدم على صورته فهو من أحاديث الصفات وقد سبق في كتاب الإيمان بيان حكمها واضحاً ومبسوطاً ، وأنّ من العلماء من يمسك عن تأويلها ويقول نؤمن بأنّها حقّ وأنّ ظاهرها غير مراد ولها معنى يليق بها ، وهذا مذهب جمهور السلف وهو أحوط وأسلم ، والثاني أنّها تتأوّل على حسب ما يليق بتنزيه اللّه تعالى وأنّه ليس كمثله شئ ، قال المازري : هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت ، ورواه بعضهم إنّ اللّه خلق آدم على صورة الرحمن وليس بثابت عند أهل الحديث ، وكأن من نقله رواه بالمعنى الذي وقع له وغلط في ذلك قال المازري . . . ( شرح مسلم : 16 / 165 ) .