من العسف لا يخفى ! والصواب عندنا : أنّ « الموتين » عبارةٌ عمّا ذكِرَ في الوجه الثاني ، و « الحياتين » عمّا ذكِرَ في الوجه الأوّل ؛ فنأخذ شطراً من الوجه الأوّل وشطراً من الوجه الثاني ويكون مجموع الشطرين وجهاً خامساً :
فالإماتة الأولى موتهم في الدنيا .
والثانية موتهم في القبر .
والحياة الأولى حياتهم في الدنيا .
والثانية للبعث والحشر .
والوجه في ذلك : أنّ الموت المقيّد بالأوّلويّة في بيان اللّه تعالى ولسان الشارع إنما هو الموت الواقع في هذه الدنيا ، ويدلّ على هذا بالصراحة قوله تعالى :
« إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ »
! « 1 »
وقوله تعالى :
« لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى »
. « 2 »
وقوله تعالى :
« أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ . إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى »
! « 3 »
فلمّا كانت الموتة الأولى عبارةً عمّا في الدنيا لا الموت الأوّل الغير المسبوق بالحياة ، فلابدّ أن يكون الثانية عبارةً عمّا في القبر الواقع بعد الحياة للمسائلة ، لعدم غيرها بعدها ، والثاني لا يقدّم الأوّل . فالمراد من أحد الموتين الذي كان مورد تصديقهم في الدنيا ، والآخر موضع إنكارهم فيها كما ورد في غير واحدٍ من الآيات الشريفة ، فالمقصود أنّهم يلحقون في الآخرة مورد إنكارهم بما كانوا يصدّقونه في الدنيا ، ويعترفون بهما معاً بإقرارٍ واحدٍ على سبيل المشاهدة ، كما هو طريق الوارد في أمرين يكون أحدهما قبل الإقرار ثابتاً عند المقرّ والآخر غير ثابت ، فبَعدَ ثبوته يكون مقرّاً على الأمرين بلفظٍ واحدٍ على صورة التثنية ؛
وكذلك الأمر في الحياتين فإنّ مورد تصديقهم في الدنيا ، كما ينبئ عن تصديقهم قوله
هامش
( 1 ) . الدخان : 34 و 35 .
( 2 ) . الدخان : 56 .
( 3 ) . الصافّات : 58 و 59 .