تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
في ذلك يحتمل وجوهاً : الأوّل : التقيّة ، لموافقته لما ذهب إليه الأشاعرة من أنّ للعبد قدرةً وكسباً ، مقارنة للفعل ، غير مؤثّرةٍ فيه ؛ ولمخالفته لما سبق من الأخبار الكثيرة الدالّة على تقدّم الاستطاعة ، وأنّ من لا يقول به فهو مشركٌ ! الثاني : أن يكون المراد بالاستطاعة في أمثال هذا الخبر الاستقلال بالفعل ، بحيث لا يمكن أن يمنعه عنه مانعٌ ؛ ولا يكون هذا إلّا في حال الفعل ، إذ يمكن قبل الفعل أن يزيله اللّه عن الفعل ولو بإعدامه وإزالة عقله أوْ شيء آخر ممّا يتوقّف عليه الفعل . الثالث : أن يكون المعنى أنّ في حال الفعل يظهر الاستطاعة ويعلَم أنّه كان مستطيعاً قبله بأن أذنَ اللّه تعالى له في الفعل كما ورد : « أنّ بَعدَ القضاء لا بَداءَ » ! والأوّل أظهر . ( انتهى كلامه رفِعَ مقامه ) . « 1 » والحقّ أنّ هذا البيان بعيدٌ عن ساحته جدّاً ! فكأنّه غفل عن معاني الاستطاعة حتّى رأى الخبر الشريف موافقاً لمذهب الأشاعرة ! لإفادته اقتران الاستطاعة للعمل وتحقّقها مع الفعل ؛ وبذلك تَوَهَّم التعارض بينه وبين ما أورده قبلًا من الأخبار الواردة في الاستطاعة التكليفيّة الظاهريّة بالمعنى الأوّل والثاني وتَخَيَّل أنّ مفاده يضادّ ويناقض ما تفيده الأحاديث الدالّة على تقدّم الاستطاعة للعمل بالمعنيَيْن الأوليَيْن ! وخفيَ عليه أنّ الاستطاعة بالمعنى الثالث الذي لا يشترط بها التكليف ولا يتوقّف إليها لا تكون قبل الفعل بقليلٍ ولا كثيرٍ ، بل تكون مع الفعل والترك لإناطتها الإرادة والعمل كما عرفت ! فلجَأ لخفاء هذا المعنى عليه في تصحيح معنى الحديث الشريف لِمثلِ هذه الوجوه الكاسدة الفاسدة خصوصاً أوّل الوجوه الذي استظهره واختاره منها !

رجوعٌ إلى ما كنّا فيه :

فتحصّل ممّا فصِّل أنّ جعْلَ اللّه تبارك وتعالى عبادَه فريقين لدى الخلق الأوّل والميثاق وبَعدَه من العوالم أصحاب جنّةٍ ونارٍ ، أصحاب يمينٍ وشمالٍ ؛ وتخصيصه طينةَ كلّ فريقٍ ممّا
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار : 5 / 43 من الطبعة الجديدة ، وأمّا ما ذكره المؤلّف رحمه اللّه ج 3 ص 13 هو من طبعته القديمة الحجرية .