الكلّ وإمام الكلّ ودليل الكلّ ومعلم الكلّ وروح الكلّ وحاكم الكلّ والآمر والناهي في الكلّ ، وأعطاه اللّه هذا المنصب وشرّفه بذلك وميزّه به وفضّله على غيره بسبقه بالإقرار والإيمان باللّه على الكلّ ، وأوّليته وأولويّته بإجابة دعوة ربّه في الخلق الأول ، وتقدّمه إلى طاعة اللّه في عالم التكليف الأوّل . ولولا ذلك اليوم والتكليف الأوّل وعالم الميثاق ليبقى كلّ هذه الفضائل والتشريفات الإلهيّة بلا جهةٍ ، ولا يكون لها وجهٌ وجيهٌ كما لا يخفى !
فعالم الذرّ والميثاق كما ترى ضروريُّ الوجود ، ولا يتوهّم أنّ السبق بالإقرار في التكليف الأوّل والطاعة إلى اللّه بالدخول إلى نار ذلك اليوم قبل الكلّ بظاهر [ ه ] أمرٌ سهلٌ جزئيٌ وليس من الأمور الخطيرة المهمّة الشاقّة الكثيرة العناء ، حتّى يترتّب عليه هذا النحو من التكريم والتفضيل والتشريف ، ويستدعي لصاحبه السبق في الفضيلة والتقدّم على جميع أفراد البشر ، ويستوجب هذا القدر من الفضائل والمزايا الجمّة التي لا يحصيها إلّا اللّه ، ويقتضي منصب النبوّة المطلقة .
وذلك : أنّ رأس الأعمال وأتعبها لدى الحقيقة وأحمزها وأشقّها عند التأمل هو الانقياد بقيد العبوديّة وخضوع النفس على ذلّ طوق الطاعة وتحميله على ربقها . وما ترى من العمل على الأوامر الفرعيّة الصادرة من حضرة المولى ولو احتاج إلى ألف مشقّةٍ وصعوبةٍ أمرٌ سهلٌ يسيرٌ بعد الدخول تحت قيد العبوديّة وقبول ذلّها والتطوّق بطوقها .
ألا ترى أنّ الإنسان إنّما يتحاشا عن اسم العبوديّة ويعزّ عليه معروفيّته واشتهاره بذلك ، وبعد قبوله هذا الاسم وتحميله على نفسه يحضر لتمام أنواع الخدمة ولا يشقّ عليه إقامة أوامر مولاه ، ولا يتحاشا بعد عن تأدية وظائف العبوديّة . ولكون أمر الانقياد بالعبوديّة أمرا مهمّا أحمز الأعمال لدى المتأمّل وأفضلها وركن كلّ فريضةٍ وروحها ، فرضه اللّه تعالى على أشرف الجوارح البشريّة وأميرها ومدبّرها ومديرها ، أعني القلب السري الأمري الملكوتيّ الإلهي ، كما ورد في الأخبار ، وساير الأعمال المفروضة على الجوارح الخارجيّة الملكيّة بأسرها مظهراتٌ ومحصلاتٌ لهذه الفريضة القلبيّة ، وكلّها كواشف عن هذه الفريضة الشريفة المهمّة والأمر الخطير القلبي ، وإنّما هو ميزان الأعمال وتتفاضل وتتراجح الأعمال على حسب ما يظهره ويحصّله من العبوديّة والانقياد .
المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 167
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص١٦٧