والولاية إنما يستدعي وجود عالم ميثاقٍ وتكليفٍ قَبلَ هذه النشأة الدنيويّة ليتأهلوا ويستحقّوا بما امتازهم اللّه تعالى به على سائر أفراد البشر ، ويكتسب كلّ واحدٍ منهم ما يستحقّ به درجةً من الخلافة الإلهيّة ، وليقتضي ما يحقّ رتبته من المنصب الإلهي على حسب ما اكتسب واقتضى ! ويكون جهة فضيلة كلّ واحدٍ منهم على الآخر مكتسبةً قبل سفره إلى العالم العنصري ، ويفوز كلّ واحدٍ منهم رتبةً من الولاية بأهليّته واستحقاقه ، ويدرك من جهات الفضيلة والقرب الإلهي ما يقتضيه أمره ويستدعيه منصبه ، ويكون فضيلته على غيره بحسب استحقاقه وقابليّته ، ويولَد كلٌّ على رتبته الكسبيّة ومنصبه الاستحقاقي .
ولا ينبغي استناد امتياز خلفاء اللّه عن غيرهم وتفضيل بعضهم على بعضٍ إلى كسبيّات هذه النشأة الموجودة ، ولا يمكننا إثباته بظواهر حالاتهم في هذا العالم الحاضر ، لاقتضاء ظاهر أمرهم في هذا الكون خلاف ما هم عليه من المناصب والفضائل ! ألا ترى أفضليّة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله على سائر الأنبياء والأئمة عليهم السلام ووجدانه منصب النبوّة المطلقة دونهم وسبقه إلى الكلّ في الفضيلة وتبعيّة الكلّ إليه مع كون جمعٍ من الأنبياء السالفين وخلفاء اللّه الماضين أطول أعماراً وأكثر طاعةً وأشدّ ابتلاءً وأوفر عناءً في هذه النشأة الحاضرة عنه صلّى اللّه عليه وآله ؟ !
فلو استند الأمر إلى كسبيّات هذا العالم الملكي لم يبق بَعد وجهٌ وجيهٌ لأفضليّة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله ! وأنّى لنا اثبات أفضليّته ، بل يلزم أفضليّة غير واحدٍ من الأنبياء على خاتمهم ( صلّى اللّه عليه وآله وعليهم ) ! . . . « 1 » من الأنبياء وتأمّل آثارهم والنظر إلى تاريخ حياتهم حتّى يبرهن لك الأمر وتتبيّن الرشد من الغيّ !
ويلزم أيضاً على تقدير استناد الأمر إلى كسبيّات هذا العالم الموجود أن يكون كلّ نبيٍّ مفضولًا عمّن سبق عليه قبل زمان إتيان ما يوجب له الفضيلة . فلمّا أتى ما يفضله ويرجح على عمل سابقه يصير حينئذٍ فاضلًا ، فيختصّ لفضيلته كلّ واحدٍ على غيره لزمانٍ دون زمانٍ . وهذا بظاهره فاسدٌ كما ترى !
هامش
( 1 ) . كذا في الأصل .