إنّ الحقيقة البشريّة والغريزة الإنسانيّة بعد اعتراء الظلمات العنصريّة عليها ، وانكسار أنوار الروح بالأغشية الملكيّة وامتزاجها بالأجزاء الأرضيّة ، وانكدار صفائها بالكثافات الجسمانيّة ، وانقطاعها عن الحضرة الإلهيّة بالتوجّه إلى العوالم السفليّة ، وانفصالها عن السدة السنيّة القدسيّة ، وهبوطها إلى المنازل الأرضيّة ، وبعدها عن الساحة الإلهيّة بوصال العلائق الدنيويّة ، وتحليل قواها بالأمراض النفسيّة ، ولوثها بما يقتضيه الطينة الجسمانيّة الظلمانيّة ، وسكون حواسّها بالعلل النفسانيّة لا يمكن للبشر تحصيل المعرفة باللّه وصفاته وحقائق صنعه بمشاهدة هذا العالم الضيّق الصغير ، بل الأصغر بالنسبة إلى العوالم الغيبيّة العلويّة والنظر إليه بهذه الحواسّ الظاهرة القاصرة العنصريّة .
ولا يجديه التوجّه بالحواسّ الباطنيّة الروحيّة والإقبال إلى العوالم الالوهيّة بالعقل المكسوف والقلب المستور بالأغشية الجهليّة بَعدَ بعده عن الحضرة الإلهيّة . ولا يتأتّى له من المعارف الحقّة ما يحصل لدى تجرّد الروح وحال نورانيّتها وإشراقها وصفائها في العوالم النورانيّة الروحانيّة الملكوتيّة .
ألا ترى أنّ الإنسان كلّما بالَغَ في تزكية النفس عن ظلمة أوصافها وسوء أخلاقها بابداء أنوار الروح عليها وزاد زهده في الدنيا وكثر تصفيته عن الصفات النفسانيّة وتحليته بالصفات القدسيّة وتنوّرت النفس بالأنوار الروحيّة ، وتجرّد عن العوالم الدنيويّة وقويت روحه وملكوتيّته وضعفت قواه الملكيّة العنصريّة ، وبعدَ بقربه إلى العوالم الروحيّة الاخرويّة الملكوتيّة عن الظلمات النفسيّة ، واستروح روح اليقين ، وآنس بما استوحش منه الجاهلون ، واستلان ما استوعر منه المترفون ، يحصل له من المعارف الإلهيّة ما لا يحصل لغيره ، وينكشف له من العوالم القدسيّة ما لا ينبغي لسواه ، ويشاهد بعين قلبه ما لا تراه العيون ، ويسمع بسمع قلبه ما لا تسمعه الاذن ، ويدرك بالحواسّ الروحيّة ما لا يدرك بالحواسّ الظاهريّة البشريّة العنصريّة ، وذلك قوله تعالى :
« كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ »
! « 1 »
وكذلك عكس القضيّة : فإنّه كلّما زاد شوق النفس ورغبته وميله إلى عالمها السفلى واطمأنّ بالحياة الدنيا وحصلت لحزب الشيطان وجند النفس غلبةٌ في معركة القلب الإنساني ، واستولت الظلمات النفسانية عليه ظلماتٌ بعضها فوق بعض وأظلمت الروح
هامش
( 1 ) . سورة التكاثر : الآيات 5 - 7 .