يتناول الضّبّ الخبيث من الكدى * ويحطّ من عليائها الشّغواء « 1 »
تبكي على الدّنيا رجال لم تجد * للعمر من داء المنون شفاء
والدّهر مخترم تشنّ صروفه ، * في كلّ يوم ، غارة شعواء
إنّا بنو الدّنيا تسير ركابنا ، * وتغالط الإدلاج والإسراء « 2 »
وكأنّنا في العيش نطلب غاية ، * وجميعنا يدع السّنين وراء
أين المقاول ، والغطارفة الأولى * هجروا الدّيار ، وعطّلوا الأفناء « 3 »
فاخلط بصوتك كلّ صوت واستمع * هل في المنازل من يجيب دعاء
واشمم تراب الأرض تعلم أنّها * جرباء تحدث كلّ يوم داء
كم راحل ولّيت عنه ، وميّت * رجعت يدي من تربه غبراء
وكذا مضى قبلي القرون يكبّهم * صرف الزّمان تسرّعا ونجاء « 4 »
هذا أمير المؤمنين ، وظلّه * يسع الورى ، ويجلّل الأحياء
نظرت إليه من الزّمان ملمّة ، * كاللّيث لا يغضي الجفون حياء « 5 »
هامش
( 1 ) الضب : حيوان من الزحافات شبيه بالحرذون وذنبه كثير العقد ، ومن أمثالهم : « أعقد من ذنب الضب » ، وتقول العرب « لا أفعله حتى يرد الضب » لظنهم أن الضب لا يرد الماء - الكدى : الأرض الصلبة - الشغواء : العقاب . أي أن الموت لا ينجو منه أحد ، فهو يتناول الضب السائح في الأرض الصلبة ، وينزل العقاب من عليائه . ونشير هنا إلى أن في قوله نوعا من الكدّ الشعري لا يتلاءم والمناسبة .
( 2 ) الإدلاج : السير أول الليل - الإسراء : سير الليل كله .
( 3 ) المقاول : الملوك ، ألقاب ملوك حمير - الغطارفة : السادة .
( 4 ) يكبّهم : يصرعهم - النجاء : السرعة . وقوله : تسرّعا ونجاء فيه إضافة المعنى إلى نفسه وتكرار للفكرة الواحدة بلفظين مختلفين ، وذلك من أجل إكمال البيت وحفاظا على القافية .
( 5 ) ملمّة : مصيبة . وتشبيه الخليفة بالأسد الثابت ، في العجز ، إشارة إلى أن المصيبة لم تنل من عزمه .